تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة تراثنا — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
فهذا أول دليل على وضع الحديث ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الحديث الموضوع : هو المختلق المجعول ، ويعرف إما بإقرار الواضع نفسه واعترافه ، أو بما هو شبيه بالإقرار ، وإما بقرينة - كركاكة الألفاظ مثلا - ما لم يكن النقل بالمعنى ، أو بمخالفته لدلالة الكتاب العزيز ، أو السنة المتواترة ، أو ذليل العقل ، أو إجماع أهل الحق وهم شيعة أهل البيت ( عليه السلام ) ، أو أن يكون الإخبار فيه عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع ، ثم لا ينقله غير واحد ، كما في هذا الحديث المروي عن ابن عمرو فقط ، وإما بالإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصفير ، أو الوعد العظيم على الفعل الحقير ، ومنها كون الراوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، الذي كان كأبيه في بغض الوصي ونصرة الدعي ، وكان ممن استماله معاوية فقدم معه إلى الكوفة ، والمعروف أن معاوية كان على سنة عثمان في وضوئه البدعي الذي ما نزل الله به من سلطان . إلى غير ذلك من الأمور الأخرى المذكورة في كتب الدراية في مجال معرفة الموضوعات . ولا بأس هنا بإلقاء نظرة سريعة على سند الحديث . إن سند الحديث في صحيح مسلم هو هذا : حدثني زهير بن حرب ، حدثنا جرير ، ح . وحدثنا إسحاق ، أخبرنا جرير ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن أبي يحيى ، عن عبد الله بن عمرو . فهذا السند له شعبتان ، إحداهما ابتدأت بزهير بن حرب ، والأخرى بإسحاق وكلاهما من مشايخ مسلم صاحب الصحيح . أما زهير بن حرب بن شداد ، فهو أبو خيثمة الحرشي ولد سنة 160 ه‍ ومات سنة 234 ه‍ ، في خلافة المتوكل ، وثقه العامة كثيرا وعدوه من نظرا أحمد بن حنبل وابن معين ، ولم يضعفه أحد منهم . أنظر : سير أعلام النبلاء 11 / 489 رقم 130 ، وتهذيب التهذيب 3 / 196 رقم 637 ، ومع هذا يمكن الخدش فيه ، إذ اعترف - بجهل - على نفسه بأنه صار مرتدا عن الإسلام لما أجاب المأمون العباسي بما يريد حين امتحنه بمسألة خلق القرآن ! كما نص على ذلك ابن عساكر الدمشقي في تبيين كذب المفتري : 352 - 353 . مع أنه لم يرتد عن الإسلام بهذا ، ولكن لجهله بالمسألة أولا ، وعدم معرفته حكم التقية على ما خالف الاعتقاد ظاهرا عند الاكراه ثانيا ، جعل قوله ملزما للردة ، ومن يك هذا علمه ، فالوثاقة - على تقدير ثبوتها - غير كافية في قبول مروياته مطلقا من غير فحص ، إذ قد يستغل في ترويج الباطل خصوصا وأنه عاش في العصر العباسي الأول وامتد به العمر إلى زمان المتوكل الذي كان من أشد بني العباس حقدا على أهل البيت ( عليه السلام ) ، ونصرة للفكر السلفي الذي يتبناه زهير بن حرب ونظراؤه من أهل الحديث . وأما إسحاق ، فهو ابن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المعروف بابن راهويه المروزي . ولد سنة 161 - أو 166 ، ومات سنة 237 - أو 238 ه‍ وثقه رجال العامة كثيرا ولم نجد في كتبهم من ضعفه ، لكنه اختلف عليه في حديث الجمع بين الظهرين في الصلاة ، ففي التهذيب لابن حجر : أنه روى حديث أنس ، أنه قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر ثم ارتحل بينما رواه ابن راهويه نفسه في صحيح مسلم - من طريق آخر - وفيه إذا كان في سفر وأراد الجمع آخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما . تهذيب التهذيب 1 / 190 - 192 رقم 408 ، والاختلاف بينهما ظاهر مع أن راويهما واحد وهو ابن راهويه ، وهذا وإن كان غير قادح فيه إلا أنه يعني أنه ليس كل ما رواه الثقة يرى صحته ، لا سيما في صورة المعارضة أو الاختلاف ، وقد يكون حديث زيل للأعقاب من هذا القبيل عند ابن راهويه . وأما جرير ، فهو ابن عبد الحميد بن يزير القاضي أبو عبد الله الضبي ، نزيل الري ، ولد سنة 107 ه‍ - أو 110 ه‍ ومات سنة 188 ه‍ ، وثقوه كثيرا مع هذا لم يكن فطنا ، واتهمه سليمان الشاذكوني بالكذب . قال الشاذكوني : قدمت على جرير ، فأعجب بحفظي ، وكان لي مكرما ، قال : قدم يحيى ابن معين والبغداديون الذين معه . . فرأوا موضعي منه ، فقال له بعضهم : إن هذا إنما بعثه يحيى القطان ، وعبد الرحمن ليفسد حديثك عليك ، ويتبع عليك الأحاديث ! ! إلى أن جرى الكلام بينهما عن حديث طلاق الأخرس الذي كان يحدث به جرير تارة عن مغيرة ، وأخرى : عن سفيان ، عن مغيرة ، وثالثة : عن ابن المبارك ، عن سفيان ، عن مغيرة ! ! وكان الحديث موضوعا . فقال له الشاذكوني : حديث طلاق الأخرس ممن سمعته ؟ قال : حدثنيه رجل من خراسان ، عن ابن المبارك . قلت : قد رويته ، مرة : عن مغيرة ، ومرة : عن سفيان ، عن مغيرة ، ومرة : عن رجل ، عن ابن المبارك ، عن سفيان ، عن مغيرة . ولست أراك تقف على شئ ! فمن الرجل ؟ ! قال : رجل من أصحاب الحديث جاءنا . قال : فوثبوا بي ، وقالوا : ألم نقل لك : إنما جاء ليفسد عليك حديثك ؟ قال : فوثب بي البغداديون ، وتعصب لي قوم من أهل الري ، حتى كان بينهم شر شديد ! ! أنظر : سير أعلام النبلاء 9 / 9 رقم 3 . ولهذا قال عنه ابن حجر في التهذيب 3 / 166 - 117 رقم 65 : قلت : إن صحت حكاية الشاذكوني ، فجرير كان يدلس . وقال أحمد بن حنبل : لم يكن بالذكي ، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول ، حتى قدم عليه بهز ، فعرفه . وأما بقية رجال أسند ، فهم : منصور : وهو ابن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي ، كان من العباد الأجلاء ، ثبت ، ثقة ، وفيه تشيع قليل على ما قاله ابن حجر في التهذيب 10 / 277 رقم 547 مات سنة 132 ه‍ . وهلال بن يساف أو أساف ، كوفي تابعي ثقة كما في تهذيب التهذيب 11 / 76 رقم 144 . وصحيح مسلم بشرح النووي 3 / 130 . وأبو يحيى : محدث جليل ثقة ، قرض عليه أحد كلاب الأمويين سب الوصي ( عليه السلام ) ، فأبى ، فقطع عرقوبه - رحمة الله - لتشيعه . ولهذا قال عنه الجوز جاني الناصبي : زائغ جائر عن الطريق يعني : طريق معاوية . قال ابن حجر : والجوزجاني مشهور بالنصب والانحراف ، فلا يقدح فيه قوله . تهذيب التهذيب 10 / 143 رقم 301 . وعبد الله بن عمرو بن العاص : وهو رابع أربعة اشتهروا بأحاديث غسل الرجلين - كما يلحظه كل متتبع لكتب الحديث - أولهم أم المؤمنين ، وآخر هم خالهم ! ! ! ومن هنا يعلم أن في سند الحديث من حكم على نفسه بالارتداد جهلا ، ومن لا يطمأن لحديثه لكذبه وتدليسه ، ومن سار على خط السلطة وعرف بانحرافه على الغسل ، بل حتى مع فرض صحة الحديث ودلالته على غسل الرجلين ، فإنه يلزم من يترك الأخبار الصحيحة لأجل القياس تركه كما سنبينه في ص 454 الهامش رقم 1 ، فلاحظ .