( وجوهكم وأيديكم ) ، لأن الجملة المأمور فيها بالغسل ، قد نقضت وبطل
حكمها باستيناف الجملة الثانية ( 1 ) .
ولا يجوز بعد انقطاع الجملة الأولى أن يعطف عليها ، إذ يجري ذلك
مجرى : ضربت زيدا وعمروا ، ومررت بخالد وبكرا ! وهو ظاهر .
وعلى ما قلناه يتطابق معنى القراءتين ولا تتنافيان ( 2 )
[ جر الأرجل بالمجاورة عند البيضاوي ! ]
ثم أقول :
ولورود ما أوردناه على صاحب الكشاف ، ترى القاضي البيضاوي ( 3 ) -
مع كونه في تفسيره إنما يقتبس من أنواره ويهتدي بآثاره - لم يرتض في دفع
معارضة قراءة الجر بالتزام عطف الأرجل على الرؤوس ، بل استحقره عن
النقل . واضطر في دفع التعارض إلى ارتكاب أن قراءة الجر مبنية على الجر
بالمجاورة ( 4 ) !
هامش
( 1 ) تقدم الرد على ادعاء نصب الأرجل عطفا على الوجوه والأيدي في ص 377 من هذه الرسالة .
( 2 ) راجع الهامش رقم 3 ص 368 - 387 .
( 3 ) هو عبد الله بن عمر بن محمد ناصر الدين الشيرازي البيضاوي الشافعي ، ولد قرب شيراز في
المدينة البيضاء وولي قضاء شيراز فيما بعد ، ثم صرف عنه ، فرحل إلى تبريز ، له : أنوار
التنزيل وأسرار التأويل ، والغاية القصوى في دراية الفتوى ، وشرح مختصر ابن الحاجب ،
وغيرها ، مات بتبريز سنة 685 ه ودفن فيها .
الوافي بالوفيات 17 / 379 رقم 310 ، مرآة الجنان 4 / 220 ، طبقات الشافعية
- للسبكي - 8 / 157 ، طبقات الشافعية - للأسنوي - 1 / 183 رقم 260 ، البداية والنهاية
3 / 309 من المجلد السابع ، طبقات المفسرين - للداوودي - 1 / 248 رقم 230
( 4 ) المراد بالجر على الجوار أو المجاورة أو الاتباع ، هو أن تكون الأرجل - في قراءة الجر
مجرورة عطفا على الرؤوس في الإعراب ، وعلى الوجوه في المعنى ، أي : أن حق الأرجل هو
النصب ، ولكنها لما جاورت المجرور جرت لمجاورته وتابعته في إعرابه .
وهنا ينبغي التأكيد على أمور في غاية الأهمية ، وهي :
الأول : إجماع الشيعة الإمامية على بطلان جر الأرجل بالمجاورة ، وكتبهم الفقهية المقارنة ،
والتفسيرية طافحة بمناقشة حجج القائلين بجر الأرجل بالمجاورة ، وتفنيدها .
الثاني : إن جميع من قال بجر الأرجل من العامة - فيما تتبعناه - إنما هو مقلد للأخفش ( ت
207 ه ) في معاني القرآن لأنه أول من قال بذلك ، ولم يسبقه إلى هذا القول أحد فيما أعلم .
الثالث : اشتباه الأخفش ومن تابعه على ذلك القول ، وقد صرح بتخطئته جملة من علماء
العربية ، والفقهاء ، والمفسرين ، كما سيأتي مفصلا في الأمر السابع .
الرابع : عدم وقوع الجر بالمجاورة في القرآن الكريم مطلقا لما يستلزمه من أمور يجل
عنها كتاب الله تعالى كما سيتضح إليك في كلام المصنف ( قدس سره ) .
الخامس : إعراض جملة من مفسري العامة عن هذا القول في كتبهم التفسيرية ، وأما من
ذهب إليه منهم ، فقد رده آخرون من مفسري العامة أنفسهم .
السادس : في من قال بجر الأرجل بالمجاورة ، وهم :
الأخفش ( ت 207 ه ) في معاني القرآن 2 / 465 ، وأبو عبيدة ( ت 210 ه ) في مجاز
القرآن 1 / 155 ، وتابعهما على ذلك : الفقيه السمرقندي ( ت 375 ه ) في تفسيره 1 / 419 ،
وقد وقع محققوا تفسيره في خبط عظيم وهم ثلاثة من أساتذة الأزهر الشريف وهم : الشيخ
علي محمد عوض ، والشيخ عادل أحمد عبد الموجود ، والدكتور زكريا عبد المجيد التوني
وذلك في تعليقتهم على عبارة السمرقندي وهي : قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، وفي
رواية : أبي بكر ( وأرجلكم ) بكسر اللام .
فعلقوا عليها في الهامش رقم 3 من الجزء الأول ص 418 بما هذا نصه : وحجتهم : أنها
معطوفة على الوجوه والأيدي ، فأوجبوا الغسل عليها ! ! !
أقول : لم يلتفت هؤلاء الأساتذة إلى تتمة كلام السمرقندي نفسه إذ قال بعد العبارة المذكورة
- وبلا فصل - : وقرأ الباقون بالنصب ، فمن قرأ بالنصب فإنه جعله نصبا لوقوع الفعل عليه وهو
الغسل ، يعني : واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين ، ومن قرأ بالكسر ، جعله كسرا لدخول حرف
الخفض - وهو الباء - فكأنه قال : وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم .
وقد مر في الهامش رقم 1
ص 370 تفصيل موقف هؤلاء القراء وغير هم من قراءة ( وار جلكم ) نصبا وجرا ، فراجع .
وأبو زرعة ( ت بعد سنة 403 ه ) في حجة القراءات : 223 ، والواحدي ( ت 468 ه )
في تفسير الوسيط 2 / 159 ، والفقيه السرخسي ( ت 682 ه ) في المبسوط 1 / 9 ، والبغوي
( ت 510 أو 516 ه ) في معالم التنزيل 2 / 217 ، وأبو البركات البغدادي ( ت 577 ه ) في
البيان في غريب إعراب القرآن 1 / 422 ، حكاه بعنوان : وقيل هو مجرور على الجوار ثم
علق عليه بقوله : وهو قليل في كلامهم ، والكاساني الحنفي ( ت 587 ه ) في بدائع الصنائع
1 / 6 ، وابن الجوزي ( ت 597 ه ) في زاد المسير 2 / 301 ، وأبو البقاء العكبري ( ت
616 ه ) في التبيان في إعراب القرآن 1 / 423 ، وفي إملاء ما من به الرحمن 1 / 208 ، وابن
قدامة الحنبلي ( ت 602 ه ) في المغني 1 / 153 ، والنووي الشافعي ( ت 676 ه ) في
المجموع شرح المهذب 1 / 420 ، وعبد الرحمن بن قدامة الحنبلي ( ت 682 ه ) في الشرح
الكبير 1 / 147 - وقد رده محقق الشرح الكبير في هامشه فقال ما نصه : والحق : أن هذه
تأويلات ، وأن المسح ثابت بقراءة متواترة عمل بها بعض السلف والعجب من هذا المحقق
لأنه ضرب ما اعترف بتواتره وعمل السلف بمقتضاه عرض الحائط باختياره غسل الأرجل ! ! -
والبيضاوي ( ت 685 ه ) في أنوار التنزيل - وسوف يناقشه المصنف على ذلك - وابن كثير
( ت 774 ه ) في تفسيره 2 / 26 ، والسيوطي ( ت 911 ه ) في تفسير الجلالين 1 / 264 ، وأبو
السعود ( ت 951 ه ) في تفسيره 3 / 11 ، والمعاصر الصابوني الوهابي في روائع البيان 1 / 533 .
السابع : في الرد على من قال بجر الجوار .
أهمل الجر بالمجاورة جملة من علماء العامة ، ولم يحتجوا به في تفاسير هم ، ولا في كتبهم
الفقهية ، كما رده آخرون صراحة .
قال الزجاج ( ت 311 ه ) في معاني القرآن وإعرابه 2 / 153 : فأما الخفض على الجوار
فلا يكون في كلمات الله .
وقال النحاس ( ت 338 ه ) في إعراب القرآن 2 / 9 ردا على الأخفش وأبي عبيدة : وهذا
القول غلط عظيم لأن الجوار لا يجوز في الكلام أن يقاس عليه ، وإنما هو غلط ، ونظيره
الإقواء .
وقال ابن خالويه ( ت 370 ه ) في إعراب القراءات السبع 1 / 143 ، فهو ( أي : جر
الجوار ) غلط ، لأن الخفض على الجوار لغة لا يستعمل في القرآن ، وإنما يكون لضرورة
شاعر ، أو حرف يجري كالمثل ، كقولهم : : جحر ضب خرب .
وقال القيسي ( ت 437 ه ) في مشكل إعراب القرآن 1 / 220 رقم 670 عن الجر
بالمجاورة : وهو بعيد ، لا يحمل القرآن عليه .
كما أهمل هذا الجر الزمخشري ( ت 538 ه ) في تفسيره ، ولم يحتج به في سائر كتبه كما
مر في صدر مناقشة المصنف ( قدس سره ) له .
ورده الرازي ( ت 606 ه ) في تفسيره بثلاثة وجوه كما سيتضح من نقل كلامه في متن
هذه الرسالة ، تحت عنوان : ( بطلان الجر بالمجاورة ) ، ص 416 .
ونقل القرطبي المالكي ( ت 671 ه ) في الجامع لأحكام القرآن 6 / 94 قول الأخفش وأبي
عبيدة ، ثم قول النحاس في ردهما ، ولم يعقب عليه بشئ فكان مرضيه ومختاره .
وقال أبو حيان النحوي الأندلسي ( ت 754 ه ) في البحر المحيط 3 / 437 عن الجر
بالمجاورة : وهو ضعيف جدا ، ولم يرد إلا في النعت حيث لا يلبس ، على خلاف فيه قد قرر
في علم العربية .
وقال السمين الحلبي ( ت 756 ه ) في الدر المصون 2 / 495 : وهذه المسألة - أي :
مسألة الجر بالمجاورة - لها شرط ، وهو أن يؤمن اللبس كما تقدم تمثيله - يعني قولهم : جحر
ضب خرب - بخلاف : ( قام غلام زيد العاقل ) ، إذا جعلت ( العاقل ) نعتا للغلام امتنع جره على
الجوار لأجل اللبس . ثم نقل بعد ذلك عددا كثيرا من الآيات القرآنية والشواهد الشعرية التي
زعم جرها بالمجاورة وناقشها نقاشا علميا رائعا مطولا ، وأثبت بطلان الاحتجاج بها على وقوع
الجر بالمجاورة ونفاه عن ساحة القرآن الكريم نفيا باتا .
وقال النيسابوري ( ت 850 ه ) في تفسيره 6 / 73 ولا يمكن أن يقال إنه كسر على
الجوار كما في قولهم : جحر ضب خرب لأن ذلك لم يجئ في كلام الفصحاء ، وفي السعة
أيضا ، وأيضا أنه جاء حيث لا لبس ، ولا عطف ، بخلاف الآية لما فيها على الجر بالمجاورة -
من لبس ، وعطف .
وقال سليمان بن عمر الشافعي الشهير بالجمل ( ت 1204 ه ) في الفتوحات الإلهية
بتوضيح تفسير الجلالين : وهذا ، وإن كان واردا ، إلا أن التخريج عليه ضعيف لضعف الجوار
من حيث الجملة ، وأيضا فإن الخفض على الجوار إنما ورد في النعت لا في العطف ، وقد ورد
في التوكيد قليلا في ضرورة الشعر .
وقال القنوجي البخاري ( ت 1307 ه ) في الروضة الندية 1 / 40 : وقد تعسف القائلون
بالغسل فحملوا الجر على الجوار وأنه ليس للعطف على مدخول الباء في مسح الرأس ، بل هو
معطوف على الوجوه ، فلما جاور المجرور انجر ! ! .
وقال النووي الشافعي ( ت 1316 ه ) في تفسيره المسمى بتفسير النووي والمعروف
ب ( مراح لبيد ) 1 / 193 : ولا يجوز هنا الكسر على الجوار على أنه منصوب في المعنى عطفا
على المغسول لأنه معدود في اللحن الذي عد يحمل لأجل الضرورة في الشعر ، ويجب تنزيه
كلام الله عنه ولأنه يرجع إليه عند حصول الأمن من الالتباس كما في قول الشاعر : كان ثيبرا في عرانين وبله ) * كبير أناس في بجاد مزمل
وفي هذه الآية لا يحصل الأمن من الالتباس ، ولأنه إنما يكون بدون حرف العطف .
الثامن : في محاولة النقض على الشيعة الإمامية في شروط الجر بالجوار .
وقد تصدى لتلك المحاولة اليائسة والبائسة بعض من ذكر في الأمر السادس ، وحجتهم
في ذلك واحدة ، منهم النووي الشافعي ( ت 676 ه ) في المجموع شرح المهذب 1 / 420
حيث استدل بقول الشاعر :
لم يبق إلا أسير غير منفلت وموثق في عقال الأسر مكبول
قال : فجر ( موثقا ) لمجاورته ( منفلت ) ، وهو مرفوع معطوف على ( أسير ) ثم قال : وهذا
رد للشيعة بأن الجر على الجوار لا يجوز مع الواو .
وأما عن شرط عدم اللبس فقال : بأنه هنا جائز ولا لبس فيه لأنه حدد بالكعبين ، والمسح
لا يكون إلى الكعبين بالاتفاق . انتهى كلامه .
وفيه :
أما البيت ، فهو على خلاف ما توهمه لأن معنى قوله : لم يبق إلا أسير ، أي : لم يبق غير
أسير ، و ( غير ) تعاقب إلا في الاستثناء ، ثم قال : ( وموثق ) بالجر عطفا على المعنى ، وعلى
موضع ( أسير ) ، فكأنه قال : لم يبق غير أسير وغير منفلت ، ولم يبق غير موثق .
أنظر : تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي 1 / 68 في مناقشته الاحتجاج بالبيت المذكور .
وعن منعه اللبس بالتحديد المذكور ، فهو غلط بين أكثر من غلط الاستدلال بالبيت .
أما أولا : فقد مر بطلان القياس بالتحديد على الغسل بأوضح صورة وأجلى برهان ، وقد
ذكرنا بالإضافة إلى برهان المصنف ( قدس سره ) من رد القول بالتحديد في هامش رقم 1 ص 399 ،
وفي هذا الصدد قال أبو شامة ( ت 665 ه ) : التحديد لا دلالة فيه على غسل ولا على مسح ،
وإنما يذكر عند الحاجة إليه ، فلما كانت اليد والرجل لو لم يذكر التحديد فيهما لاقتصر على ما
يجب قطعه في السرقة ، أو لوجب استيعابها غسلا ومحا إلى الإبط والفخذ ، اعتنى بالتحديد
فيهما ، ولو لم يحتج إلى التحديد لم يذكره لا مع الغسل ، ولا مع المسح كما في الوجه
والرأس . أنظر : إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع للشاطبي ، لأبي شامة
الدمشقي : 427 .
وأما ثانيا : فقد قال الرازي في تفسيره الكبير 11 / 162 عن جواب الشيعة في مسألة
التحديد : والقوم أجابوا عنه بوجهين :
الأول : إن الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم ، وعلى هذا التقدير يجب المسح
على ظهر القدمين .
والثاني : إنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جنبي الساق ، إلا أنهم
التزموا ، أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين . وحينئذ لا يبقى هذا السؤال .
ومنه يعلم غلط النووي الشافعي في نفي اللبس بقرينة التحديد إلى الكعبين ، لا محالة .