وإن أراد : أنه مظنة لاستعمال ما يزيد ( 1 ) عن مقدار المد ( 2 ) ونحوه
بكثير .
فهو ممنوع ، والعرف والعادة شاهدة ( 3 ) ، على أن الزيادة على ذلك
لا تصدر إلا عن صبي جاهل ، أو جلف جاف ( 4 ) ، يلعب ويلهو بالماء .
ثم كيف يكون المسح في معنى الغسل ، وفائدة اللفظين - في الشرع -
مختلفة ، لفظ الكتاب والسنة قد فرق بين الأعضاء المغسولة
والممسوحة ؟ !
ولهذا جعلوا بعض أعضاء الطهارة ممسوحا ( 5 ) ، وبعضها مغسولا ،
وفضلوا بين الحكمين ، وفرقوا بين قول القائل : فلان يرى أن الفرض في
الرجلين المسح ، وبين قوله : فلان يرى الغسل ( 6 ) .
هامش
( 1 ) في م : ما زيد .
( 2 ) تقدم تفصيل مقدار المد في الهامش رقم 10 ص 388 - 390 .
( 3 ) في ر : المشاهدة .
( 4 ) في حاشية ر : وقولهم : ( أعرابي جلف ) ، أي : جاف ، وأصله من أجلاف الشاة ، وهي
المسلوخة بلا رأس ، ولا قوائم ، ولا بطن . وقال أبو عبيدة : الجلف : الدن الفارغ ، قال :
والمسلوخ إذا أخرج بطنه جلف أيضا .
هذا ، وقال في لسان العرب : والجلف : الأعرابي الجافي . . . شبه بجلف الشاة ، أي :
إن جوفه هواء لا عقل فيه .
ثم نقل بعد هذا عن الجوهري ما مر في حاشية ر وقال : الجلف : الأحمق ، أصله من
الشاة المسلوخة ، والدن شبه الأحمق بهما لضعف عقله . انتهى .
أنظر : لسان العرب 2 / 332 ، مادة جلف ، وصحاح الجوهري 4 / 39 13 مادة جلف .
( 5 ) في م : بعض الأعضاء ممسوحا .
( 6 ) سبق إلى هذا الاستدلال السيد المرتضى في الإنتصار : 22 ، والشيخ في التهذيب 1 / 68 -
69 ، والتبيان 3 / 454 ، وابن إدريس الحلي في منتخبه 2 / 214 ، والطبرسي في مجمعه
3 / 208 .
والظاهر أن حجة كون المسح في الأرجل هو الغسل الخفيف الشبيه بالمسح ، جاءت لتبرير
مخالفة الظاهر من غير ضرورة كما يبدو من كتاب الحجة للقراء السبعة 3 / 215 ، وتفسير
الوسيط 2 / 159 ، والمحرر الوجيز 5 / 47 - 48 ، والبيان - لأبي البركات - 1 / 284 ، وزاد
المسير 2 / 02 3 ، والمغني 1 / 154 ، وجمال القراء 2 / 41 ، والجامع لأحكام القرآن 6 / 92 ،
وتفسير ابن كثير 2 / 27 ، وفتح الباري 1 / 215 ، وتفسير أبي السعود 3 / 11 ، وتفسير النووي
1 / 193 ، وتيسير التفسير 2 / 33 .
هذا مع أن الفرق بين المسح والغسل مصرح به في كتب العامة ، وأنه لا يجزى أحدهما
عن الآخر ، كما هو صريح قول الجصاص في أحكام القرآن 2 / 333 في أثناء حديثه عن غسل
الأيدي والوجوه ، قال : وأما من أجاز مسح هذه الأعضاء المأمور بغسلها فإن قوله مخالف
لظاهر الآية لأن الله تعالى شرط في بعض الأعضاء الغسل وفي بعضها المسح ، فما أمر بغسله
لا يجزئ فيه المسح لأن الغسل يقتضي أمرا الماء على الموضع وإجراءه عليه . . والمسح
لا يقتضي ذلك ، وإنما يقتضي مباشرته بالماء دون إمراره عليه ، ولو كان المراد بالغسل هو
المسح لبطلت فائدة التفرقة بينهما في الآية ، وفي وجوب إثبات التفرقة بينهما ما يوجب أن
يكون المسح غير الغسل .
وقال في المحرر الوجيز : الغسل في اللغة : إيجاد الماء في المغسول مع إمرار شئ عليه
كاليد أو ما قام مقامها وقال أيضا : المسح أن يمر على الشئ بشئ مبلول بالماء ، راجع
المحرر الوجيز 5 / 43 .
وهكذا نجد التفريق بينهما في تفسير ابن جزي 1 / 49 - 50 ، وكتاب التسهيل لعلوم التنزيل
1 / 170 - 171 ، ومحاسن التأويل 6 / 102 .
أما علماء الشيعة فقد اتفقوا على ضرورة التفريق بين الغسل والمسح لتباين حقيقة كل منهما
عن الآخر ، قال السيد المرتضى في الإنتصار : وحقيقة الغسل يوجب جريان الماء على
العضو ، وحقيقة المسح يقتضي إمرار الماء من غير جريانه ، فالتنافي بين الحقيقتين ظاهر لأنه
من المحال أن يكون الماء جاريا وسائلا ، وغير جار ولا سائل في حالة واحدة راجع
الإنتصار : 22 .
وفي جواهر الكلام : لا ينبغي الإشكال في تباين حقيقة الغسل ، والمسح ، وأنهما
لا يجتمعان في فرد واحد أبدا كما هو ظاهر الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والعرف ، واللغة ،
راجع جواهر الكلام 2 / 200 .
ولو صح أن يكون المراد بالمسح هو شبيهه ، أي : الغسل الخفيف - كما زعمه بعض
العامة - لما كان في تخصيص هذا المعنى بفرض الأرجل دون الرؤوس أي مبرر معقول لأن
الرؤوس عندهم ممسوحة على كل حال ، بخلاف الأرجل المعطوفة على الرؤوس ، وهذا من
العجب ! !
قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : إن الرجل ليعبد الله أربعين سنة ، وما يطيعه في الوضوء لأنه
يغسل ما أمر الله بمسحه الفقيه 1 / 24 ح 73 ، وعنه في وسائل الشيعة 1 / 422 ح 1103 باب
25 من أبواب الوضوء .
وقال ( عليه السلام ) : إنه يأتي على الرجل ستون ، وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة . . لأنه يغسل
ما أمر الله بمسحه الكافي 3 / 31 ح 9 ، وعلل الشرائع : 289 ح 2 ، وتهذيب الأحكام 1 / 92
ح 246 ، والاستبصار 1 / 64 ح 191 ، ووسائل الشيعة 1 / 418 ح 1089 باب 25 من أبواب
الوضوء ( أخرجه عن الكافي ) .