إنه الرحمة المهداة ، بلا شك . . أليس من تمام الرحمة وجمالها أن
يجنب أمته المحذور من الاختلاف بعده ؟ !
لقد أحب أمته وحرص عليها * ( عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم
بالمؤمنين رؤوف رحيم ) * ( 90 ) .
وأيضا : فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أننا سوف لا ننتظر بعده
نبيا يعيد نظم أمرنا !
لقد بصر ابن حزم بذلك ، فحاول أن يتداركه ، فقال : وجدنا عقد الإمامة
يصح بوجوه : أولها وأصحها وأفضلها أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره
إماما بعد موته ، سواء جعل ذلك في صحته أو عند موته ، كما فعل رسول الله
صلى الله عليه وآله بأبي بكر ، وكما فعل أبو بكر لعمر ، وكما فعل سليمان بن
عبد الملك بعمر بن عبد العزيز .
قال : وهذا هو الوجه الذي نختاره ، ونكره غيره ، لما في هذا الوجه من
اتصال الإمامة ، وانتظام أمر الإسلام وأهله ، ورفع ما يتخوف من الاختلاف
والشغب مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى ، ومن انتشار الأمر وحدوث
الأطماع ( 91 ) .
لقد لحظ ابن حزم أكثر من ثغرة في تلك النظرية ، فأظهر مهارة في محاولة
رتقها ، بأن جمع بين الضرورات الدينية والعقلية والاجتماعية وبين الأمر الواقع ،
ليخرج بصيغة أكثر تماسكا .
* فترك الأمة دون تعيين ولي الأمر الذي يخلف زعيمها يعني بقاء الأمة
فوضى ، وتشتت أمرها ، وظهور الأطماع في الخلافة لا محالة . . وهذا مما
ينبغي أن يدركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيبادر إلا تلافيه ، ولو في مرضه
الذي توفي فيه .
هامش
( 90 ) سورة التوبة 9 : 128 .
( 91 ) الفصل 4 / 169 .