أم سلمة قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألست من أهل البيت ؟
فقال : بلى إن شاء الله ( 80 ) .
والجواب : أنا لا نسلم صحة سندها ( 81 ) ، ولو سلم ، نقول :
هامش
( 80 ) أخرج رواية أم سلمة - رضي الله عنها - البيهقي كما في مناقب الخوارزمي : 306 ح 351 ،
والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 2 / 60 ح 718 ، والبغوي في معالم التنزيل 4 / 465
في تفسير آية التطهير ، وابن عساكر في ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق
6 / 84 ، كلهم جميعا من طريق الحاكم النيسابوري عن رجاله .
أما الحاكم فقد أخرج أيضا هذه الرواية في موضعين من المستدرك وهما 2 / 416 و 3 / 146
بلا قول أم سلمة رضي الله تعالى عنها - المحتج به في هذا الايراد .
نعم ، أخرج الرواية ابن المغازلي في مناقبه : 306 ح 351 من غير طريق الحاكم وفيها سؤال
أم سلمة المذكور ، ولم أجد من أخرجها غير المذكورين ، وسنناقش إسنادها في الهامش
اللاحق .
( 81 ) المتحصل من الهامش السابق أن للرواية طريقين لا ثالث لهما ، وهما :
الأول : ما ذكره البيهقي والحسكاني والبغوي وابن عساكر ، وأسندوه جميعا إلى الحاكم
النيسابوري ، وينتهي هذا الطريق - مرورا بالحاكم - إلى عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن
شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أم سلمة .
الثاني : وهو طريق ابن المغازلي الذي ينتهي إلى أنس بن عياض ، عن شريك بن عبد الله
بن أبي ثمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أم سلمة . وهذا الطريق وإن لم يمر بالحاكم إلا أنه
متصل بطريقه من جهة شريك بن عبد الله بن أبي نمر .
أما الأول : ففيه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، وقد ضعفوه وطعنوا بحديثه .
قال الدوري ، عن ابن معين : حديثه - عندي - ضعيف .
وقال أبو حاتم : فيه لين ، يكتب حديثه ولا يحتج به .
وقال ابن عدي : وبعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه ، وهو في جملة من يكتب حديثه من
الضعفاء .
وقال ابن الحربي : غيره أوثق منه .
وذكره ابن عدي في ضعفاء الرجال ، والعقيلي في الضعفاء الكبير ، وكان عبد الرحمن بن
مهدي لا يحدث عن عبد الرحمن هذا بشئ قط ، ولم يذكر ابن حجر لعبد الرحمن رواية عن
شريك ، كما لم يعد شريكا من مشايخه كما هو دأبه في التراجم .
أنظر : تهذيب التهذيب 6 / 187 رقم 422 ، وميزان الاعتدال 2 / 572 رقم 4901 ، والجرح
والتعديل - لابن أبي حاتم - 5 / 254 رقم 1204 ، والكامل في ضعفاء الرجال 4 / 1607 ،
والضعفاء الكبير 2 / 339 .
وفي هذا الطريق - كما تقدم - شريك بن عبد الله ، وقد ورد بحقه قدح ومدح ، والجرح مقدم
على التعديل إذا لم يكن الجارح عند أهل السنة قد جرحه لحسد أو عداوة أو بغضاء أو مخالفة
في مذهب ، كما لا يلتفت إلى قول الجارح عندهم إذا كان المجروح قد كثر مادحوه على
ذاميه ، ومزكوه على جارحيه ، كما صرح به السبكي في طبقات الشافعية 4 / 188 ، وذم شريك
لم يكن من هذا القبيل إذ لا منافسة دنيوية بينه وبين من ضعفه ، ولا هو من نظراء أهل الرجال ،
بل ولا هو من رواة ( الرافضة ) وفيما رواه يفيد النقض عليهم .
ومع هذا كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه البتة .
واتهمه الساجي بأنه من القدرية .
وقال النسائي وابن الجارود : ليس بالقوي .
وذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين .
ولم يوثقه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل واكتفى بنقل نفي البأس عنه عن ابن معين .
ولهذا قيد الذهبي وابن عدي قبول روايته برواية الثقة عنه . قال الذهبي : ( إذا روى عنه ثقة
فإنه ثقة ) وقال ابن عدي : ( إذا روى عنه ثقة فلا بأس برواياته ) .
أنظر : ترجمته في تهذيب التهذيب 4 / 296 رقم 588 ، وميزان الاعتدال 2 / 269 رقم
3696 ، والجرح والتعديل - لابن أبي حاتم - 4 / 363 رقم 1592 ، والضعفاء والمتروكين
- لابن الجوزي - 2 / 40 رقم 1624 ، وبغض النظر عن سلامة مبنى الذهبي وابن عدي في
قبول رواية شريك أو عدم سلامته فإن من روى عنه هو عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، وقد
تقدم ما فيه . . وبهذا يسقط الطريقان معا عن الاعتبار لاشتراكهما بشريك كما مر .
وأما الثاني : وهو طريق ابن المغازلي ، ففيه زيادة على شريك : أنس بن عياض الليثي ، وهو
لم يسلم من قدم أيضا وإن وثقه بعضهم ، فالكلام فيه كالكلام في سابقه .
فهو تارة : ثقة كثير الخطأ ، كما عن ابن سعد .
وأخرى : صويلح - بالتصغير - كما عن إسحاق بن منصور .
وثالثة : فيه غفلة الشاميين - وما أدراك ما غفلة الشاميين ؟ ! - كما عن أبي داود .
ورابعة : إنه ثقة أحمق ، كما عن مالك .
أنظر : ترجمته في تهذيب التهذيب 1 / 328 رقم 689 .
ومن كان هذا شأنه فكيف تعارض روايته حديث أم سلمة الذي تقدم تخريجه - وهو الحديث
الأول في هذه الرسالة - من طرق كثيرة ، ورواه الترمذي وأحمد والحاكم وعشرات غيرهم ،
وجميع نصوصه تؤكد إبعاد أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - عن الدخول مع أهل الكساء
عليهم السلام ؟ !
وأغلب الظن هو وهم الرواة أو تعمدهم - لا سيما وفيهم ( المغفل والأحمق ) - بتبديل قول
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( إنك إلى خير إن شاء الله ) ب : ( بلى إن شاء الله ) ، وبهذا
حق للمصنف قدس سره - أن يقول في جواب هذا الايراد : ( إنا لا نسلم صحة سندها ) .
ولعل من المناسب هنا أن ننقل قول العبري وهو من فقهاء الشافعية ، ومن شراح ( منهاج
الوصول ) للقاضي البيضاوي ، قال - حسبما نقله عنه الأسنوي في نهاية السول - ما نصه : ( في
رواية الشيعة هذا الحديث أنه قال عليه السلام : ( إنك إلى خير ) لما أنه قال : ( بلى ) ولو سلم
فكونها من أهل البيت معلق بمشيئة الله تعالى ، فلا تكون من أهل البيت جزما ، والمذهب
عنهم الرجس أهل البيت جزما - إلى أن قال - : فظاهر الآية وإن تناول الأزواج لكن حديث لف
الكساء قرينة صارفة عن الظاهر بتخصيص الآية بالعترة ، لأن قوله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] :
( هؤلاء أهل بيتي ) دون غيرهم ، رد لمن اعتقد أن الأزواج أيضا من أهل البيت فيكون قصر [ ا ]
إفراد [ ا ] ) .
أنظر : نهاية السول - الأسنوي الشافعي - 2 / 399 - في بحث الإجماع .