خاطر عن مخايل الرشد ماطر ، وعين الله إذا انهلت فيه عزالي الأنواء أن يخضر
رباه ، ويفوح رياه ، ولا للساري في مسالك نهج البلاغة أن يحمد عند الصباح
سراه ، ولا لمجيل قداح الطهارة إذا صدقه رائد التوفيق والإلهام أن يفوز بقدحي
المعلى والرقيب ، ويمتطي غوارب كل حظ ونصيب .
ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان باب مدينة
العلوم ، فما تقول في سقط انفض من زند خاطره الواري ، وغيض بدا من فيض
نهره الجاري ، لا بل في شعلة من سراجه الوهاج ، وغرفة من بحره المواج ،
وقطرة من سحاب علمه الغزير ، ولا ينبئك مثل خبير .
والسيد الإمام الرضي - رحمه الله - ناظم تلك العقود ، وقاطف هذا
العنقود . . . وأنا أقول : ما ظنك بكلام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه
السلام ، وهو كلام إذا لحظه الطرف رأى حقائق العلم المكنون ، وإذا تصفحه
الخاطر جنى ثمرات السر المخزون ، حتى قال عمرو بن بحر الجاحظ : وددت
أني أعطيت جميع مصنفاتي ، وقطعت أنسابها عني ، وأخذت بدلها ثلاث
كلمات منسوبة إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وصارت منسوبة إلي . . .
وقال في ص 99 بعد شرح قوله عليه السلام : " ولا يحمد
حامد إلا ربه . . " :
وأقول : في وصف هذا الكلام : هذا كلام يجري مجرى السحر
الحلال ، ويرتفع درجته عن نعوت الكمال ، كأنه اليواقيت في النظام ، أو مواقيت
الأعياد في الأيام ، لفظ أحسن من عطفة الأصداغ ، وبلاغة كالأمل أذن
بالبلاغ ، وأمثال كأنها حديقة الأحداق وبضاعة الحذاق ، يضحك معاني تلك
الألفاظ شعور الأدب ضحك الأزاهير غب بكاء السحاب ، كأنها لآلىء السمط
أو أشعة السقط ، وكان الصبح يتنفس عن نسيمها ، والدر يبسم عن نظيمها ، ولا
غرو ، فإن قائلها استقى من منابع المصطفى عليه السلام ، وجذب العلم
مجلة تراثنا — صفحة 88
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص٨٨