ب - يبدو من النص أن شيخنا المفيد - رضي الله عنه وأرضاه - كان قد
استقل بالتدريس ونشر العلم ، في ستينات القرن الرابع ، وفي الثلاثينات من
عمره الشريف ، وشيخه - الذي حمل منه ما حمل - ابن قولويه بعد لا يزال
حيا . وأنه كان له منذ تلك الأيام مجلس درس في مسجده الشهير بدرب رياح
في الكرخ - وقد ذكرنا هذا من قبل عندما ترجمنا له - وأنه كان قد بلغ من الرفعة
والجلالة الدرجة التي ترى مثل هذه السيدة الجليلة أم الشريفين أن تحضر
بنفسها مجلسه آخذة معها ولديها الشريفين ، إكراما له ورعاية لعلمه ومقامه .
وكان لها أن تستدعيه إلى بيتها ، وهو ذلك البيت الرفيع الذي لا يأبى من
الحضور فيه أحد ولو كان مثل الشيخ المفيد ، وعذرها في ذلك خدرها ، وأنعم
به لمثلها من عذر ! وفوق هذا كله الخلق العظيم النبوي والروح العلوية اللذين
ورثتهما هي وبيتها الطاهر ، وبهذا هان عليها كل تواضع وتنازل ، والمجتمع
المسلم لو كان قد جعل من هذا النموذج المثل الذي يقتدي به في سلوكه
الفردي والاجتماعي لكانت الدنيا غير هذه الدنيا ، والحياة غير هذه الحياة ! .
ج - وأرى - وهذا من الهواجس النفسية ، وأرجو أن يغفره لي أولئك الذين
لا يؤمنون بالهواجس - أن الشريف الرضي يومذاك لم يكن قد بلغ السن الذي
تمكنه من التعلم على أستاذ كالشيخ المفيد ، إذ كان يومذاك في السابعة من
عمره وأخوه الشريف المرتضى كان يكبره بخمس سنوات . ويخيل إلي
المقصود أصالة كان هو الشريف المرتضى ، ولكن الشريف الرضي بما فيه من
نفسيات تسمو في كل شئ على غيره ، ومنه إحساسه القوي بالتسامي
والتعالي ، كبر عليه أن يؤخذ أخوه إلى مجلس التعليم ولا يؤخذ هو ، فأشرك في
ذلك ، مع العلم أن المادة التدريسية التي تعطى لمن كان في الحادية عشرة
من عمرة تختلف في كثير عن التي تتناسب مع من بلغ السابعة فحسب .
وللكلام عن هذا الجانب الذي يرجع إلى سيرة الشريف الرضي رحمه
الله مجال آخر ، أرجو الله أن يوفقني إلى العود إليه .
مجلة تراثنا — صفحة 86
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص٨٦