في شرح الكلمة ومناسبتها للمقام :
قال ابن حجر : ( إن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها
كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ، ومرادها زيادة على ذلك هو أن لا يتشاءم
الناس به ، وقد صرحت هي فيما بعد بذلك . وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال :
إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن ) ( 150 ) .
قلت : لكنه كلام بارد ، وتأويل فاسد .
أما أولا : ففيه اعتراف بأن قول عائشة : ( إن أبا بكر رجل أسيف فمر عمر
أن يصلي بالناس ) مخالفة للنبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ، ورد عليه منها ، بحيث
لم يتحمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال هذا الكلام .
وأما ثانيا : فلأنه لا يتناسب مع فصاحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحكمته ،
إذ لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يشبه الشئ بخلافه ويمثله بضده ، وإنما كان
يضع المثل في موضعه . . . ولا ريب أن صويحبات يوسف إنما عصين الله بأن أرادت كل
واحدة منهن من يوسف ما أرادته الأخرى وفتنت به كما فتنت به صاحبتها ، فلو كانت
عائشة قد دفعت النبي عن أبيها ولم ترد شرف ذلك المقام الجليل له ، ولم تفتتن بمحبة
الرئاسة وعلو المقام ، لكان النبي في تشبيهها بصويحبات يوسف قد وضع المثل في غير
موضعه ، وهو أجل من ذلك ، فإنه نقص . . . وحينئذ يثبت أن ما قاله النبي صلى الله
عليه وآله وسلم إنما كان لمخالفة المرأة وتقديمها بالأمر - بغير إذن منه صلى الله عليه
وآله وسلم - لأبيها ، لأنها مفتونة بمحبة الاستطاعة والرغبة في تحصيل الفضيلة
واختصاصها وأهلها بالمناقب كما قدمناه في بيان طرف من أحوالها .
وأما ثالثا : فقد جاء في بعض الأخبار أنه لما قالت عائشة : ( إنه رجل رقيق
فمر عمر ) لم يجبها بتلك الكلمة بل قال : ( مروا عمر ) ( 151 ) ومنه يظهر أن السبب
هامش
( 150 ) فتح الباري 2 / 120 .
( 151 ) تاريخ الطبري 2 / 439 .