وكونه من عمال بني أمية ومشيدي سلطانهم ، حتى أنكر عليه ذلك العلماء
والزهاد ، فقد ذكر العلامة عبد الحق الدهلوي بترجمته من " رجال المشكاة " ( إنه قد
ابتلي بصحبة الأمراء بقلة الديانة ، وكان أقرانه من العلماء والزهاد يأخذون عليه
وينكرون ذلك منه ، وكان يقول : أنا شريك في خيرهم دون شرهم ! فيقولون : ألا ترى
ما هم فيه وتسكت ؟ إ " .
ومن هنا قدح فيه ابن معين فقد " حكى الحاكم عن ابن معين أنه قال : أجود
الأسانيد : الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله فقال له إنسان :
الأعمش مثل الزهري ! ! فقال : تريد من الأعمش أن يكون مثل الزهري ؟ ! ! الزهري
يرى العرض والإجازة ، ويعمل لبني أمية ؟ والأعمش فقير صبور ، مجانب للسلطان
ورع عالم بالقرآن " ( 50 ) .
وبهذه المناسبة كتب له الإمام زين العابدين عليه السلام كتابا يعظه فيه
ويذكره الله والدار الآخرة وينبهه على الآثار السيئة المترتبة على كونه في قصور
السلاطين ، من ذلك قوله : " إن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة
الظالم ، وسهلت له طريق الغي . . . جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسرا
يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم
احذر فقد نبئت ، وبادر فقد أجلت . . ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك ،
لكني أردت أن ينعش الله ما فات من رأيك ، ويرد إليك ما عزب من دينك أما ترى
ما أنت فيه من الجهل والغرة ، وما الناس فيه من البلاء والفتنة ؟ ! . . فأعرض عن كل
ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم ، لاصقة بطونهم
بظهورهم . .
ما لك لا تنتبه من نعستك وتستقيل من عثرتك فتقول : والله ما قمت لله مقاما واحدا ما
أحييت به له دينا ، أو أمت له فيه باطلا ؟ ! " ( 51 ) .
هامش
( 50 ) تهذيب التهذيب - ترجمة الأعمش - 195 / 4 .
( 51 ) تحف العقول عن آل الرسول : 198 ، لابن شعبة الحراني ، من أعلام الإمامية في القرن الرابع
الهجري .
وقد رواه الغزالي في إحياء علوم الدين 143 / 2 لكنه قال : " ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ
له في الدين إليه ! ! وكم له من نظير !
وبشر الحافي تاب على يد الإمام موسى الكاظم عليه السلام في قضية معروفة ، رواها المناوي في
الكواكب الدرية : 208 ، إلا أنه لم يصرح باسم الإمام ! ! هكذا يريدون إخفاء فضائل آل الله وإطفاء
نور الله ، وهكذا يأبى الله .