والسدي : رجع حزينا من صنيع قومه . وقال الطبري : أخبره الله عز وجل قبل رجوعه
أنهم قد فتنوا بالعجل ، فلذلك رجع وهو غضبان . ابن العربي : وكان موسى عليه السلام
من أعظم الناس غضبا ، لكنه كان سريع الفيئة ( 1 ) ، فتلك بتلك . قال ابن القاسم : سمعت مالكا
يقول : كان موسى عليه السلام إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته ، ورفع شعر بدنه جبته .
وذلك أن الغضب جمرة تتوقد في القلب . ولأجله أمر النبي صلى الله عليه وسلم من غضب
أن يضطجع . فإن لم يذهب غضبه اغتسل ، فيخمدها اضطجاعه ويطفئها اغتساله . وسرعة
غضبه كان سببا لصكه ملك الموت ففقأ عينه . وقد تقدم في المائدة ( 2 ) ما للعلماء
في هذا . وقال الترمذي الحكيم : وإنما استجاز موسى عليه السلام ذلك لأنه كليم الله ، كأنه
رأى أن من اجترأ عليه أو مد إليه يدا بأذى فقد عظم الخطب فيه . ألا ترى أنه احتج عليه
فقال : من أين تنزع روحي ؟ أمن فمي وقد ناجيت به ربي ! أم من سمعي وقد سمعت به
كلام ربي ! أم من يدي وقد قبضت منه ( 3 ) الألواح ! أم من قدمي وقد قمت بين يديه
أكلمه بالطور ! أم من عيني وقد أشرق وجهي لنوره . فرجع إلى ربه مفحما . وفي مصنف
أبي داود عن أبي ذر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : ( إذا غضب أحدكم
وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ) . وروي أيضا عن أبي وائل
القاص قال : دخلنا على عروة بن محمد السعدي فكلمه رجل فأغضبه ، فقام ثم رجع وقد
توضأ ، فقال : حدثني أبي عن جدي عطية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن
الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب
أحدكم فليتوضأ ) .
قوله تعالى : ( بئسما خلفتموني من بعدي ) ذم منه لهم ، أي بئس العمل عملتم ( 4 ) بعدي .
يقال : خلفه ، بما يكره . ويقال في الخير أيضا . يقال منه : خلفه بخير أو بشر في أهله وقومه
هامش
( 1 ) الفيئة ( بفتح الفاء وكسرها ) : الحالة من الرجوع عن الشئ الذي يكون قد لابسه الإنسان وباشره .
( 2 ) راجع ج 6 ص 122 .
( 3 ) في ج : به .
( 4 ) في ب : عملكم .