إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما أدخلوه
على أنفسهم من التخريق وغيره مما أفسدوا ، ولا يسقط عنهم خطاب الشرع ، لأنهم مخاطبون
قبل الحضور بتجنب هذا الموضع الذي يفضي إلى ذلك . كما هم منهيون عن شرب المسكر ،
كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن صدقوا أن فيه سكر طبع ، وإن
كذبوا أفسدوا مع الصحو ، فلا سلامة فيه مع الحالين ، وتجنب مواضع الريب واجب .
قوله تعالى : ( وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) أي بلحيته وذؤابته . وكان هارون أكبر
من موسى - صلوات الله وسلامه عليهما - بثلاث سنين ، وأحب إلى بني إسرائيل من
موسى ، لأنه كان لين الغضب .
للعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربع تأويلات
الأول - أن ذلك كان متعارفا عندهم ، كما كانت العرب تفعله من قبض الرجل على لحية
أخيه وصاحبه إكراما وتعظيما ، فلم يكن ذلك على طريق الإذلال .
الثاني - أن ذلك إنما كان ليسر إليه نزول الألواح عليه ، لأنها نزلت عليه في هذه
المناجاة وأراد أن يخفيها عن بني إسرائيل قبل التوراة . فقال له هارون : لا تأخذ بلحيتي
ولا برأسي ، لئلا يشتبه سراره على بني إسرائيل بإذلاله .
الثالث - إنما فعل ذلك به لأنه وقع في نفسه أن هارون مائل مع بني إسرائيل
فيما فعلوه من أمر العجل . ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء .
الرابع - ضم إليه أخاه ليعلم ما لديه ، فكره ذلك هارون لئلا يظن بنو إسرائيل أنه أهانه ،
فبين له أخوه أنهم استضعفوه ، يعني عبدة العجل ، وكادوا يقتلونه أي قاربوا . فلما سمع عذره
قال : رب اغفر لي ولأخي ، أي اغفر لي ما كان من الغضب الذي ألقيت من أجله الألواح ،
ولأخي لأنه ظنه مقصرا في الإنكار عليهم وإن لم يقع منه تقصير ، أي اغفر لأخي إن قصر .
قال الحسن : عبد كلهم العجل غير هارون ، إذ لو كان ثم مؤمن غير موسى وهارون لما اقتصر
على قوله : رب اغفر لي ولأخي ، ولدعا لذلك المؤمن أيضا . وقيل : استغفر لنفسه من فعله بأخيه ،
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 289
مساهمون: القرطبي
ص٢٨٩