فعل ذلك لموجدته عليه ، إذ لم يلحق به فيعرفه ما جرى ليرجع فيتلافاهم ، ولهذا قال : " يا هارون
ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ( 1 ) " الآية . فبين هارون أنه إنما أقام خوفا على نفسه من
القتل . فدلت الآية على أن لمن خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر أن يسكت .
وقد تقدم بيان هذا في " آل عمران ( 2 ) " ابن العربي : وفيها دليل على أن الغضب لا يغير الأحكام
كما زعم بعض الناس ، فإن موسى عليه السلام لم يغير غضبه شيئا من أفعاله ، بل اطردت
على مجراها من إلقاء لوح وعتاب أخ وصك ملك . الهدوي : لأن غضبه كان لله عز وجل ،
وسكوته عن بني إسرائيل خوفا أن يتحاربوا أو يتفرقوا .
قوله تعالى : ( قال ابن أم ) وكان ابن أمه وأبيه . ولكنها كلمة لين وعطف . قال
الزجاج : قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه . وقرئ بفتح الميم وكسرها ، فمن فتح جعل
" ابن أم " اسما واحدا كخمسة عشر ، فصار كقولك : يا خمسة عشر أقبلوا .
ومن كسر الميم جعله مضاف إلى ضمير المتكلم ثم حذف ياء الإضافة ، لأن مبنى النداء على الحذف ، وأبقى الكسرة
في الميم لتدل على الإضافة ، كقوله : " يا عباد ( 3 ) " . يدل عليه قراءة ابن السميقع " يا بن أمي "
بإثبات الياء على الأصل . وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد : " يا بن أم " بالفتح ، تقديره
يا بن أماه . وقال البصريون : هذا القول خطأ ، لأن الألف خفيفة لا تحذف ، ولكن جعل
الاسمين اسما واحدا . وقال الأخفش وأبو حاتم : " يا بن أم " بالكسر كما تقول : يا غلام
غلام أقبل ، وهي لغة شاذة والقراءة بها بعيدة . وإنما هذا فيما يكون مضافا إليك ، فأما المضاف
إلى مضاف إليك فالوجه أن تقول : يا غلام غلامي ، ويا بن أخي . وجوزوا يا بن أم ، يا بن عم ،
لكثرتها في الكلام . قال الزجاج والنحاس : ولكن لها وجه حسن جيد ، يجعل الابن مع الأم
ومع العم اسما واحدا ، بمنزلة قولك : يا خمسة عشر أقبلوا ، فحذفت الياء كما حذفت من يا غلام
إن القوم استضعفوني استذلوني وعدوني ضعيفا . وكادوا أي قاربوا . يقتلونني
بنونين ، لأنه فعل مستقبل . ويجوز الإدغام في غير ( 4 ) القرآن . فلا تشمت بي الأعداء
هامش
( 1 ) راجع ج 11 ص 236 .
( 2 ) راجع ج 4 ص 47 .
( 3 ) راجع ج 15 ص 243 .
( 4 ) راجع ج 15 ص 276 ففيه خلاف هذا .