وكان السامري سمع قولهم " اجعل لنا إلها كما لهم ( 1 ) آلهة " . وكانت تلك الآلهة على مثال البقر ،
فصاغ لهم عجلا جسدا ، أي مصمتا ، غير أنهم كانوا يسمعون منه خوار . وقيل : قلبه الله
لحما ودما . وقيل : إنه لما ألقى تلك القبضة من التراب في النار على الحلي صار عجلا له خوار ،
فخار خورة واحدة ولم يثن ثم قال للقوم : " هذا إلهكم وإله موسى فنسي ( 2 ) " . يقول : نسيه
ها هنا وذهب يطلبه فضل عنه - فتعالوا نعبد هذا العجل . فقال الله لموسى وهو يناجيه :
" فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري " . فقال موسى : يا رب ، هذا السامري
أخرج لهم عجلا من حليهم ، فمن جعل له جسدا ؟ - يريد اللحم والدم - ومن جعل له
خوارا ؟ فقال الله سبحانه : أنا فقال : وعزتك وجلالك ما أضلهم غيرك . قال صدقت
يا حكيم الحكماء . وهو معنى قوله : " إن هي إلا فتنتك ( 2 ) " . وقال القفال : كان السامري
احتال بأن جوف العجل ، وكان قابل به الريح ، حتى جاء من ذلك ما يحاكي الخوار ،
وأوهمهم أن ذلك إنما صار كذلك لما طرح في الجسد من التراب الذي كان أخذه من تراب
قوائم فرس جبريل . وهذا كلام فيه تهافت ( 3 ) ، قال القشيري .
قوله تعالى : ( ألم يروا أنه لا يكلمهم ) بين أن المعبود يجب أن يتصف بالكلام .
( ولا يهديهم سبيلا ) أي طريقا إلى حجة . ( اتخذوه ) أي إلها . ( وكانوا ظالمين )
أي لأنفسهم فيما فعلوا من اتخاذه ( 4 ) . وقيل : وصاروا ظالمين أي مشركين لجعلهم العجل إلها .
قوله تعالى : ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن
لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ( 149 )
قوله تعالى : ( ولما سقط في أيديهم ) أي بعد عود موسى من الميقات . يقال للنادم
المتحير : قد سقط في يده . قال الأخفش : يقال سقط في يده ، وأسقط . ومن قال : سقط
في أيديهم على بناء الفاعل ، فالمعنى عنده : سقط الندم ، قال الأزهري والنحاس وغيرهما .
هامش
( 1 ) راجع ص 273 من هذا الجزء .
( 2 ) راجع ج 11 ص 232 وص 294 من هذا الجزء .
( 3 ) في ب وى : متهافت .
( 4 ) في ز : اتخاذهم .