هو تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش ، وعلى البر والتقوى في الأخلاق مكان
الفسوق والجدال . وقيل : جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد
ما نهوا عنه .
الثانية عشرة - قوله تعالى : " وتزودوا " أمر باتخاذ الزاد . قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد
وقتادة وابن زيد : نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجئ إلى الحج بلا زاد ، ويقول
بعضهم : كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا ، فكانوا يبقون عالة على الناس ، فنهوا عن ذلك ،
وأمروا بالزاد . وقال عبد الله بن الزبير : كان الناس يتكل بعضهم على بعض بالزاد ، فأمروا
بالزاد . وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد ، وقدم عليه ثلاثمائة رجل من
مزينة ، فلما أرادوا أن ينصرفوا قال : ( يا عمر زود القوم ) . وقال بعض الناس : " تزودوا "
الرفيق الصالح . وقال ابن عطية : وهذا تخصيص ضعيف ، والأولى في معنى الآية : وتزودوا
لمعادكم من الأعمال الصالحة .
قلت : القول الأول أصح ، فإن المراد الزاد المتخذ في سفر الحج المأكول حقيقة كما ذكرنا ،
كما روى البخاري عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون :
نحن المتوكلون ، فإذا قدموا مكة سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى : " وتزودوا فإن خير الزاد
التقوى " وهذا نص فيما ذكرنا ، وعليه أكثر المفسرين . قال الشعبي : الزاد التمر والسويق .
ابن جبير : الكعك والسويق . قال ابن العربي : " أمر الله تعالى بالتزود لمن كان له مال ،
ومن لم يكن له مال فإن كان ذا حرفة تنفق في الطريق أو سائلا فلا خطاب عليه ، وإنما
خاطب الله أهل الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ويخرجون بغير زاد ويقولون : نحن
المتوكلون . والتوكل له شروط ، من قام بها خرج بغير زاد ولا يدخل في الخطاب ، فإنه خرج
على الأغلب من الخلق وهم المقصرون عن درجة التوكل الغافلون عن حقائقه ، والله عز وجل
أعلم " . قال أبو الفرج الجوزي : وقد لبس إبليس على قوم يدعون التوكل ، فخرجوا بلا زاد
وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ . قال رجل لأحمد بن حنبل : أريد أن أخرج
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 411
مساهمون: القرطبي
ص٤١١