هذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل
أحياء عند ربهم يرزقون " ، وهناك ( 1 ) يأتي الكلام في الشهداء وأحكامهم ، إن شاء الله تعالى .
وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم - على ما يأتي - فيجوز أن يحيي
الكفار ليعذبهم ، ويكون فيه دليل على عذاب القبر . والشهداء أحياء كما قال الله تعالى ، وليس
معناه أنهم سيحيون ، إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد
سيحيا . ويدل على هذا قوله تعالى : " ولكن لا تشعرون " والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون .
وارتفع " أموات " على إضمار مبتدأ ، وكذلك " بل أحياء " أي هم أموات وهم أحياء ، ولا
يصح إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب ، كما يصح في قولك : قلت كلاما وحجة .
قوله تعالى : ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من
الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ( 155 ) .
قوله تعالى : " ولنبلونكم " هذه الواو مفتوحة عند سيبويه لالتقاء الساكنين . وقال
غيره : لما ضمت إلى النون الثقيلة بني الفعل فصار بمنزلة خمسة عشر . والبلاء يكون حسنا
ويكون سيئا . وأصله المحنة ، وقد تقدم ( 2 ) . والمعنى لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة
حتى يقع عليه الجزاء ، كما تقدم . وقيل : إنما ابتلوا بهذا ليكون آية لمن بعدهم فيعلموا أنهم
إنما صبروا على هذا حين وضح لهم الحق . وقيل : أعلمهم بهذا ليكونوا على يقين منه أنه
يصيبهم ، فيوطنوا أنفسهم عليه فيكونوا أبعد لهم من الجزع ، وفيه تعجيل ثواب الله تعالى
على العزم وتوطين النفس .
قوله تعالى : " بشئ " لفظ مفرد ومعناه الجمع . وقرأ الضحاك " بأشياء " على الجمع
وقرأ الجمهور بالتوحيد ، أي بشئ من هذا وشئ من هذا ، فاكتفى بالأول إيجازا " من
الخوف " أي خوف العدو والفزع في القتال ، قاله ابن عباس . وقال الشافعي : هو خوف
هامش
( 1 ) راجع ج 4 ص 268 .
( 2 ) تراجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص 387 طبعة ثانية .