وجوهكم شطره " زال هذا . وقال أبو عبيدة : إن " إلا " ها هنا بمعنى الواو ، أي والذين
ظلموا ، فهو استثناء بمعنى الواو ، ومنه قول الشاعر ( 1 ) :
ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلا دار مروانا
كأنه قال : إلا دار الخليفة ودار مروان ، وكذا قيل في قوله تعالى : " إلا الذين آمنوا
وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( 2 ) " أي الذين آمنوا . وأبطل الزجاج هذا القول وقال :
هذا خطأ عند الحذاق من النحويين ، وفيه بطلان المعاني ، وتكون " إلا " وما بعدها
مستغني عن ذكرهما . والقول عندهم أن هذا استثناء ليس من الأول ، أي لكن الذين
ظلموا منهم فإنهم يحتجون . قال أبو إسحاق الزجاج : أي عرفكم الله أمر الاحتجاج في القبلة
في قوله : " ولكل وجهة هو موليها " " ولئلا يكون للناس عليكم حجة " إلا من ظلم
باحتجاجه فيما قد وضح له ، كما تقول : مالك على حجة إلا الظلم أو إلا أن تظلمني ، أي مالك
حجة البتة ولكنك تظلمني ، فسمى ظلمه حجة لان المحتج به سماه حجة وإن كانت داحضة .
وقال قطرب : يجوز أن يكون المعنى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا ،
فالذين بدل من الكاف والميم في " عليكم " . وقالت فرقة : " إلا الذين " استثناء متصل ،
روي معناه عن ابن عباس وغيره ، واختاره الطبري وقال : نفى الله أن يكون لاحد حجة على
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في استقبالهم الكعبة . والمعنى : لا حجة لاحد عليكم إلا الحجة
الداحضة . حيث قالوا : ما ولاهم ، وتحير محمد في دينه ، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى
منه ، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق . والحجة
بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة والمجادلة . وسماها الله حجة وحكم بفسادها حيث كانت من ظلمة .
وقال ابن عطية : وقيل إن الاستثناء منقطع ، وهذا على أن يكون المراد بالناس اليهود ،
ثم استثنى كفار العرب ، كأنه قال : لكن الذين ظلموا يحاجونكم ، وقوله " منهم " يرد هذا
التأويل . والمعنى لكن الذين ظلموا ، يعني كفار قريش في قولهم : رجع محمد إلى قبلتنا
هامش
( 1 ) هو الفرزدق ، وأراد مروان بن الحكم . ( عن شرح الشواهد ) .
( 2 ) راجع ج 20 ص 116 .