إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه . وقد نص الله تعالى على سقوط الحد عن
المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم . وفي ذلك دليل على أنها لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد
القدرة عليهم ، حسب ما تقدم بيانه ( 1 ) . وكذلك الشراب والسراق والزناة إذا أصلحوا
وتابوا وعرف ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الامام فلا ينبغي له أن يحدهم . وإن رفعوا إليه
فقالوا : تبنا ، لم يتركوا ، وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا غلبوا . هذا مذهب الشافعي .
فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه والخروج عنه -
عينا كان أو غيره - إن كان قادرا عليه ، فإن لم يكن قادرا فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل
وقت وأسرعه . وإن كان أضر بواحد من المسلمين وذلك الواحد لا يشعر به أو لا يدري من
أين أتى ، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه ، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له ، فإذا عفا عنه
فقد سقط الذنب عنه . وإن أرسل من يسأل ذلك له ، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه - عرفه
بعينه أو لم يعرفه - فذلك صحيح . وإن أساء رجل إلى رجل بأن فزعه بغير حق ، أو غمه
أو لطمه ، أو صفعه بغير حق ، أو ضربه بسوط فألمه ، ثم جاءه مستعفيا نادما على ما كان
منه ، عازما على ألا يعود ، فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه فعفا عنه ، سقط عنه ذلك
الذنب . وهكذا إن كان شانه بشتم لا حد فيه .
قوله تعالى : ( عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ) " عسى " من الله واجبة .
وهو معنى قوله عليه السلام : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) . و " أن " في موضع
رفع اسم عسى . ( 2 )
قوله تعالى : ( ويدخلكم ) معطوف على " يكفر " . وقرأ أبن أبي عبلة " ويدخلكم "
مجزوما عطفا على محل عسى أن يكفر . كأنه قيل : توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلكم
جنات تجري من تحتها الأنهار . ( يوم لا يخزى الله النبي ) العامل في " يوم " : " يدخلكم "
أو فعل مضمر . ومعنى " يخزي " هنا يعذب ، أي لا يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا معه .
هامش
( 1 ) راجع ج 6 ص 174 .
( 2 ) ما بين المربعين من ط . وبياض فيما هداها