لصاحبها دمع مسفوح ، وقلب عن المعاصي جموح . وقال فتح الموصلي : علامتها
ثلاث : مخالفة الهوى ، وكثرة البكاء ، ومكابدة الجوع والظمأ . وقال سهل بن عبد الله
التستري : هي التوبة لأهل السنة والجماعة ، لان المبتدع لا توبة له ، بدليل قوله صلى الله
عليه وسلم : ( حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب ) . وعن حذيفة : بحسب الرجل
من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه . وأصل التوبة النصوح من الخلوص ، يقال :
هذا عسل ناصح إذا خلص من الشمع . وقيل : هي مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة .
وفي أخذها منها وجهان : أحدهما - لأنها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما يحكم الخياط
الثوب بخياطته ويوثقه . والثاني - لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم ، كما
يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض . وقراءة العامة " نصوحا " بفتح النون ، على
نعت التوبة ، مثل امرأة صبور ، أي توبة بالغة في النصح . وقرأ الحسن وخارجة وأبو بكر
عن عاصم بالضم ، وتأويله على هذه القراءة : توبة نصح لأنفسكم . وقيل : يجوز أن يكون
" نصوحا " ، جمع نصح ، وإن يكون مصدرا ، يقال : نصح نصاحة ونصوحا . وقد يتفق
فعالة وفعول في المصادر ، نحو الذهاب والذهوب . وقال المبرد : أراد توبة ذات نصح ،
يقال : نصحت نصحا ونصاحة ونصوحا .
الثانية - في الأشياء التي يتاب منها وكيف التوبة منها . قال العلماء : الذنب الذي
تكون منه التوبة لا يخلو ، إما أن يكون حقا لله أو للآدميين . فإن كان حقا لله كترك صلاة فإن
التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها . وهكذا إن كان ترك صوم
أو تفريطا في الزكاة . وإن كان ذلك قتل نفس بغير حق فأن يمكن من القصاص إن كان
عليه وكان مطلوبا به . وإن كان قذفا يوجب الحد فيبذل ظهره للجلد إن كان مطلوبا به .
فإن عفي عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالاخلاص . وكذلك إن عفي عنه في القتل
بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجدا له ، قال الله تعالى : " فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع
بالمعروف وأداء إليه بإحسان " ( 1 ) [ البقرة : 178 ] . وإن كان ذلك حدا من حدود الله كائنا ما كان فإنه
هامش
( 1 ) راجع ج 2 ص 253