المعروف أن يكون كفاية الغنية مثل نفقة الفقيرة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لهند : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) . فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال
أبي سفيان الواجب عليه بطلبها ، ولم يقل لها لا اعتبار بكفايتك وأن الواجب لك شئ مقدر ،
بل ردها إلى ما يعلمه من قدر كفايتها ولم يعلقه بمقدار معلوم . ثم ما ذكروه من التحديد يحتاج
إلى توقيف ، والآية لا تقتضيه .
الثانية - روي أن عمر رضي الله عنه فرض للمنفوس مائة درهم ، وفرض له عثمان
خمسين درهما . ابن العربي : " وأحتمل أن يكون هذا الاختلاف بحسب اختلاف السنين
أو بحسب حال القدر في التسعير لثمن القوت والملبس ، وقد روي محمد بن هلال المزني قال :
حدثني أبي وجدتي أنها كانت ترد على عثمان ففقدها فقال لأهله : ما لي لا أرى فلانة ؟
فقالت امرأته : يا أمير المؤمنين ، ولدت الليلة ، فبعث إليها بخمسين درهما وشقيقة سنبلانية . ( 1 )
ثم قال : هذا عطاء ابنك وهذه كسوته ، فإذا مرت له سنة رفعناه إلى مائة . وقد أتي علي
رضي الله عنه بمنبوذ ( 2 ) ففرض له مائة . قال ابن العربي : ( هذا الفرض قبل الفطام مما اختلف
فيه العلماء ، فمنهم من رآه مستحبا لأنه داخل في حكم الآية ، ومنهم من رآه واجبا لما تجدد
من حاجته وعرض من مؤنته ، وبه أقول . ولكن يختلف قدره بحاله عند الولادة وبحاله
عند الفطام . وقد روي سفيان بن وهب أن عمر أخذ المد بيد والقسط بيد فقال : إني
فرضت لكل نفس مسلمة في كل شهر مدي حنطة وقسطي خل وقسطي زيت . زاد غيره :
وقال إنا قد أجرينا ( 3 ) لكم أعطياتكم وأرزاقكم في كل شهر ، فمن انتقصها فعل الله به كذا وكذا ،
فدعا عليه . قال أبو الدرداء : كم سنة راشدة مهدية قد سنها عمر رضي الله عنه في أمة محمد
صلى الله عليه وسلم ! والمد والقسط كيلان شاميان في الطعام والإدام ، وقد درسا بعرف أخر .
هامش
( 1 ) الشقيقة : تصغير شقة ، وهي جنس من الثياب . وقيل هي نصف ثوب . والسنبلاني ( من الثياب ) :
السابغ الطويل الذي قد أسبل . وسنبل ثوبه : إذا أسبله وجره من خلفه أو أمامه .
( 2 ) المنبوذ : اللقيط ، وسمى اللقيط منبوذا لان أمه رمته على الطريق .
( 3 ) في ابن العربي : " أجزنا " .