تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
قوله تعالى : ( وكأين من قرية ) لما ذكر الاحكام ذكر وحذر مخالفة الامر ، وذكر عتو قوم وحلول العذاب بهم . وقد مضى القول في " كأين " في " آل عمران " ( 1 ) والحمد لله . ( عتت عن أمر ربها ) أي عصت ، يعني القرية والمراد أهلها . ( فحاسبناها حسابا شديدا ) أي جازيناها بالعذاب في الدنيا ( وعذبناها عذابا نكرا ) في الآخرة . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، فعذبناها عذابا نكرا في الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف والمسخ وسائر المصائب ، وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا . والنكر : المنكر . وقرئ مخففا ومثقلا ، وقد مضى في سور " الكهف " . ( 2 ) ( فذاقت وبال أمرها ) أي عاقبة كفرها ( وكان عاقبة أمرها خسرا ) أي هلاكا في الدنيا بما ذكرنا ، والآخرة بجهنم . وجئ بلفظ الماضي كقوله تعالى : " ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار " ( 3 ) [ الأعراف : 44 ] ونحو ذلك ، لان المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة ، وما هو كائن فكأن قد . ( أعد الله لهم عذابا شديدا ) بين ذلك الخسر وأنه عذاب جهنم في الآخرة . ( فاتقوا الله يا أولى الألباب ) أي العقول . ( الذين آمنوا ) بدل من " أولي الألباب " أو نعت لهم ، أي يا أولي الألباب الذين آمنتم بالله اتقوا الله الذي أنزل عليكم القرآن ، أي خافوه واعملوا بطاعته وانتهوا عن معاصيه . وقد تقدم . ( رسولا ) قال الزجاج : إنزال الذكر دليل على إضمار أرسل ، أي أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا . وقيل : إن المعنى قد أنزل الله إليكم صاحب ذكر رسولا ، " رسولا " نعت للذكر على تقدير حذف المضاف . وقيل : إن رسولا معمول للذكر لأنه مصدر ، والتقدير : قد أنزل الله إليكم أن ذكر رسولا . ويكون ذكره الرسول قوله : " محمد رسول الله " [ الفتح : 29 ] . ويجوز أن يكون " رسولا " بدل من ذكر ، على أن يكون " رسولا " بمعنى رسالة ، أو على أن يكون على بابه ويكون محمولا على المعنى ، كأنه قال : قد أظهر الله لكم ذكرا رسولا ، فيكون من باب بدل الشئ من الشئ وهو هو . ويجوز أن ينتصب " رسولا " على الاغراء كأنه قال : اتبعوا رسولا . وقيل : الذكر هنا الشرف ، نحو قوله تعالى :
هامش
( 1 ) راجع ج 4 ص 228 . ( 2 ) يلاحظ أن الذي مضى هو في سورة " القمر " لا في سورة الكهف . راجع ج 17 ص 129 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 209