وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سئ إلينا عفونا ، قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين . وذكر
الحديث . " إنه لا يحب الظالمين " أي من بدأ بالظلم ، قاله سعيد بن جبير . وقيل :
لا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد ، قاله ابن عيسى .
الرابعة - قوله تعالى : " ولمن انتصر بعد ظلمه " أي المسلم إذا انتصر من الكافر
فلا سبيل إلى لومه ، بل يحمد على ذلك مع الكافر . ولا لوم إن انتصر الظالم من المسلم ،
فالانتصار من الكافر حتم ، ومن المسلم مباح ، والعفو مندوب .
الخامسة - في قوله تعالى : " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل "
دليل على أن له أن يستوفي ذلك بنفسه . وهذا ينقسم ثلاثة أقسام : أحدها - أن يكون
قصاصا في بدن يستحقه آدمي ، فلا حرج عليه إن استوفاه من غير عدوان وثبت حقه عند
الحكام ، لكن يزجره الامام في تفوته بالقصاص لما فيه من الجرأة على سفك الدم . وإن
كان حقه غير ثابت عند الحاكم فليس عليه فيما بينه وبين الله حرج ، وهو في الظاهر مطالب
وبفعله مؤاخذ ومعاقب . القسم الثاني - أن يكون حد الله تعالى لا حق لادمي فيه كحد
الزنى وقطع السرقة ، فإن لم يثبت ذلك عند حاكم أخذ به وعوقب عليه ، وإن ثبت عند
حاكم نظر ، فإن كان قطعا في سرقة سقط به الحد لزوال العضو المستحق قطعه ، ولم يجب
عليه في ذلك حق لان التعزير أدب ، وإن كان جلدا لم يسقط به الحد لتعديه مع بقاء محله
فكان مأخوذا بحكمه . القسم الثالث - أن يكون حقا في مال ، فيجوز لصاحبه أن يغالب
على حقه حتى يصل إليه إن كان ممن هو عالم به ، وإن كان غير عالم نظر ، فإن أمكنه
الوصول إليه عند المطالبة لم يكن له الاستسرار بأخذه . وإن كان لا يصل إليه بالمطالبة
لجحود من هو عليه من عدم بينة تشهد له ففي جواز استسراره بأخذه مذهبان : أحدهما -
جوازه ، وهو قول مالك والشافعي . الثاني - المنع ، وهو قول أبي حنيفة .
السادسة - قوله تعالى : " إنما السبيل على الذين يظلمون الناس " أي بعدوانهم
عليهم ، في قول أكثر العلماء . وقال ابن جريج : أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 41
مساهمون: القرطبي
ص٤١