تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
لقدير . الذين أخرجوا . . . ( 1 ) " [ الحج : 39 - 40 ] الآيات كلها . وقيل : هو عام في بغي كل باغ من كافر وغيره ، أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه . وهذه إشارة إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود . قال ابن العربي : ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح ، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح ، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للاخر ، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين ، إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور ، وقحا في الجمهور ، مؤذيا للصغير والكبير ، فيكون الانتقام منه أفضل . وفي مثله قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق . الثانية - أن تكون الفلتة ، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة ، فالعفو ها هنا أفضل ، وفي مثله نزلت " وأن تعفوا أقرب للتقوى " ( 2 ) [ البقرة : 237 ] . وقوله : " فمن تصدق به فهو كفارة له " ( 3 ) [ المائدة : 45 ] . وقوله : " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم " . ( 4 ) [ النور : 22 ] قلت : هذا حسن ، وهكذا ذكر الكيا الطبري في أحكامه قال : قوله تعالى : " والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون " يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل ، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله سبحانه وتعالى وإقام الصلاة ، وهو محمول على ما ذكر إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق ، فهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك . والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا . وقد قال عقيب هذه الآية : " ولمن أنتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل " . ويقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الامر به ، وقد عقبه بقوله : " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور " . وهو محمول على الغفران عن غير المصر ، فأما المصر على البغي والظلم فالأفضل الانتصار منه بدلالة الآية التي قبلها . وقيل : أي إذا أصابهم البغي تناصروا عليه حتى يزيلوه عنهم ويدفعوه ، قاله ابن بحر . وهو راجع إلى العموم على ما ذكرنا .
هامش
( 1 ) آية 39 راجع ج 12 ص 67 ( 2 ) آية 237 سورة البقرة . ( 3 ) آية 45 سورة المائدة . ( 4 ) آية 22 سورة النور .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 39 | القرطبي / أحمد عبد العليم البردوني