تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
الحادية عشرة - قوله تعالى : " ولمن صبر وغفر " أي صبر على الأذى و " غفر " أي ترك الانتصار لوجه الله تعالى ، وهذا فيمن ظلمه مسلم . ويحكى أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ، ثم قام فتلا هذه الآية ، فقال الحسن : عقلها والله ! وفهمها إذ ضيعها الجاهلون . وبالجملة العفو مندوب إليه ، ثم قد ينعكس الامر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبا إليه كما تقدم ، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه ، وهو أن زينب أسمعت عائشة رضي الله عنهما بحضرته فكان ينهاها فلا تنتهي ، فقال لعائشة : ( دونك فانتصري ) خرجه مسلم في صحيحه بمعناه . وقيل : " صبر " عن المعاصي وستر على المساوئ . " إن ذلك لمن عزم الأمور " أي من عزائم الله التي أمر بها . وقيل من عزائم الصواب التي وفق لها . وذكر الكلبي والفراء أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ثلاث آيات قبلها ، وقد شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم أمسك . وهي المدنيات من هذه السورة . وقيل : هذه الآيات في المشركين ، وكان هذا في ابتداء الاسلام قبل الامر بالقتال ثم نسختها آية القتال ، وهو قول ابن زيد ، وقد تقدم . وفي تفسير ابن عباس " ولمن انتصر بعد ظلمه " يريد حمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة وعليا وجميع المهاجرين رضوان الله عليهم . " فأولئك ما عليهم من سبيل " يريد حمزة بن عبد المطلب وعبيدة وعليا رضوان الله عليهم أجمعين . " إنما السبيل على الذين يظلمون الناس " يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأبا جهل والأسود ، وكل من قاتل من المشركين يوم بدر . " ويبغون في الأرض " يريد بالظلم والكفر . " أولئك لهم عذاب أليم " يريد وجيع . " ولمن صبر وغفر " يريد أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح ومصعب بن عمير وجميع أهل بدر رضوان الله عليهم أجمعين . " إن ذلك لمن عزم الأمور " حيث قبلوا الفداء وصبروا على الأذى . قوله تعالى : ومن يظلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ( 44 )
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 44 | القرطبي / أحمد عبد العليم البردوني