انفاق مال كله وحين شتم فحلم . وعن علي رضي الله عنه قال : اجتمع لأبي بكر مال مرة ،
فتصدق به كله في سبيل الخير ، فلامه المسلمون وخطأه الكافرون فنزلت : " فما أوتيتم من
شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون - إلى قوله -
وإذا ما غضبوا هم يغفرون " . وقال ابن عباس : شتم رجل من المشركين أبا بكر فلم يرد
عليه شيئا ، فنزلت الآية . وهذه من محاسن الأخلاق ، يشفقون على ظالمهم ويصفحون لمن
جهل عليهم ، يطلبون بذلك ثواب الله تعالى وعفوه ، لقوله تعالى في آل عمران : " والكاظمين
الغيظ والعافين عن الناس " ( 1 ) [ آل عمران : 134 ] . وهو أن يتناولك الرجل فتكظم غيظك عنه . وأنشد بعضهم :
إني عفوت لظالمي ظلمي * ووهبت ذاك له على علمي
ما زال يظلمني وأرحمه * حتى بكيت له من الظلم
قوله تعالى : والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى
بينهم ومما رزقناهم ينفقون ( 38 )
فيه ثلاث مسائل :
الأولى - قوله تعالى : " والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة " قال عبد الرحمن
ابن زيد : هم الأنصار بالمدينة ، استجابوا إلى الايمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثنى عشر
نقيبا منهم قبل الهجرة . " وأقاموا الصلاة " أي أدوها لمواقيتها بشروطها وهيئاتها .
الثانية - قوله تعالى : " وأمرهم شورى بينهم " أي يتشاورون في الأمور .
والشورى مصدر شاورته ، مثل البشرى والذكرى ونحوه . فكانت الأنصار قبل قدوم النبي
صلى الله عليه وسلم إليهم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه ، فمدحهم الله تعالى به ،
قاله النقاش . وقال الحسن : أي إنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون ،
فمدحوا باتفاق كلمتهم . قال الحسن : ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم . وقال
هامش
( 1 ) آية 134 راجع ج 4 ص 206