تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
الميزان استوى . وركد القوم هدأوا . والمراكد : المواضع التي يركد فيها الانسان وغيره . وقرأ قتادة " فيظللن " بكسر اللام الأولى على أن يكون لغة ، مثل ضللت ( 1 ) أضل . وفتح اللام وهي اللغة المشهورة . " إن في ذلك لآيات " أي دلالات وعلامات " لكل صبار شكور " أي صبار على البلوى شكور على النعماء . قال قطرب : نعم العبد الصبار الشكور ، الذي إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر . قال عون بن عبد الله : فكم من منعم عليه غير شاكر ، وكم من مبتلى غير صابر . قوله تعالى : أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ( 34 ) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ( 35 ) قوله تعالى : " أو يوبقهن بما كسبوا " أي وإن يشأ يجعل الرياح عواصف فيوبق السفن ، أي يغرقهن بذنوب أهلها . وقيل : يوبق أهل السفن . " ويعف عن كثير " من أهلها فلا يغرقهم معها ، حكاه الماوردي . وقيل : " ويعفو عن كثير " أي ويتجاوز عن كثير من الذنوب فينجيهم الله من الهلاك . قال القشري : والقراءة الفاشية " ويعف " بالجزم ، وفيها إشكال ، لان المعنى : إن يشأ يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكد ويهلكها بذنوب أهلها ، فلا يحسن عطف " يعف " على هذا ، لأنه يصير المعنى : إن يشأ يعف ، وليس المعنى ذلك بل المعنى الاخبار عن العفو من غير شرط المشيئة ، فهو إذا عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى . وقد قرأ قوم " ويعفو " بالرفع ، وهي جيدة في المعنى . " ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص " يعني الكفار ، أي إذا توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أو بقيت السفن رواكد علموا أنه لا ملجأ لهم سوى الله ، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له العبادة . وقد مضى هذا المعنى في غير موضع ( 2 ) ، ومضى القول في ركوب البحر في " البقرة " ( 3 ) وغيرها بما يغني عن إعادته . وقرأ نافع وابن عامر
هامش
( 1 ) في الأصول : " ظللت أظل " بالظاء المعجمة . والتصويب عن الكشاف . ( 2 ) راجع ج 8 ص 325 وج‍ 13 ص 223 ( 3 ) راجع ج 2 ص 195 طبعة ثانية .