تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية بركت ناقته صلى الله عليه وسلم فقال الناس : خلات ! خلات ! ( 1 ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ ما خلات وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها ] . ثم نزل صلى الله عليه وسلم هناك ، فقيل : يا رسول الله ، ليس بهذا الوادي ماء ! فأخرج عليه الصلاة والسلام سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه ، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالماء الرواء ( 2 ) حتى كفى جميع الجيش . وقيل : إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ . وقيل : نزل بالسهم في القليب البراء بن عازب ، ثم جرت السفراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش ، وطال التراجع والتنازع إلى أن جاءه سهيل بن عمرو العامري ، فقاضاه على أن ينصرف عليه الصلاة والسلام عامه ذلك ، فإذا كان من قابل أتى معتمرا ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح ، حاشا السيوف في قربها فيقيم بها ثلاثا ويخرج ، وعلى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام ، يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا ، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما من رجل أو امرأة رد إلى الكفار ، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه إلى المسلمين ، فعظم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلام ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما علمه الله من أنه سيجعل للمسلمين فرجا ، فقال لأصحابه . [ اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سببا إلى ظهور دينه ] فأنس الناس إلى قوله هذا بعد نفار منهم ، وأبى سهيل بن عمرو أن يكتب في صدر صحيفة الصلح : من محمد رسول الله ، وقالوا له : لو صدقناك بذلك ما دفعناك عما تريد ! فلا بد أن تكتب : باسمك اللهم . فقال لعلي وكان يكتب صحيفة الصلح : [ امح يا علي ، واكتب باسمك اللهم ] فأبى علي أن يمحو بيده " محمد رسول الله " . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ اعرضه علي ] فأشار إليه فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، وأمره أن
هامش
( 1 ) خلات الناقة : حزنت وبركت من غير علة . ( 2 ) الرواء : الكثير .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 275 | القرطبي / أحمد عبد العليم البردوني