النبي صلى الله عليه وسلم نهي أن يكون مثله ، لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولى مغاضبا لقومه ،
فابتلاه الله بثلاث : سلط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله ، وسلط الذئب على ولده
فأكله ، وسلط عليه الحوت فابتلعه ، قاله أبو القاسم الحكيم . وقال بعض العلماء : أولو
العزم اثنا عشر نبيا أرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم ، فأوحى الله إلى الأنبياء أني مرسل
عذابي إلى عصاة بني إسرائيل ، فشق ذلك على المرسلين فأوحى الله إليهم اختاروا لأنفسكم ،
إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل ، وإن شئتم نجيتكم وأنزلت العذاب ببني
إسرائيل ، فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي الله بني إسرائيل ،
فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب . وذلك أنه سلط عليهم ملوك الأرض ، فمنهم من
نشر بالمناشير ، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه ، ومنهم من صلب على الخشب حتى مات ،
ومنهم من حرق بالنار . والله أعلم . وقال الحسن : أولو العزم أربعة : إبراهيم ، وموسى ،
وداود ، وعيسى ، فأما إبراهيم فقيل له : " أسلم قال أسلمت لرب العالمين " ( 1 ) [ البقرة : 131 ] ثم ابتلي في ماله
وولده ووطنه ونفسه ، فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلي به . وأما موسى فعزمه حين قال
له قومه : " إنا لمدركون . قال كلا إن معي ربي سيهدين " ( 2 ) [ الشعراء : 61 - 62 ] . وأما داود فأخطأ خطيئته
فنبه عليها ، فأقام يبكي أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة ، فقعد تحت ظلها . وأما
عيسى فعزمه أنه لم يضع لبنة على لبنة وقال : " إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها " . فكأن
الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم : اصبر ، أي كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق
إبراهيم ، واثقا بنصرة مولاك مثل ثقة موسى ، مهتما بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود ،
زاهدا في الدنيا مثل زهد عيسى . ثم قيل : هي منسوخة بآية السيف . وقيل : محكمة ،
والأظهر أنها منسوخة ، لان السورة مكية . وذكر مقاتل : أن هذه الآية نزلت على رسول
الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، فأمره الله عز وجل أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم
من الرسل ، تسهيلا عليه وتثبيتا له . والله أعلم . " ولا تستعجل " قال مقاتل : بالدعاء
هامش
( 1 ) آية 131 سورة البقرة .
( 2 ) آية 61 سورة الشعراء .