الناس . وأبو مالك عمرو بن كركرة رجل من علماء اللغة . قال أبو عبيد : وأما الأفلاذ فإن
واحدها فلذ ، وهي القطعة من الكبد . قال أعشى باهلة :
تكفيه حزة فلذ إن ألم بها * من الشواء ويروي شربه الغمر ( 1 )
وقال قتادة : ذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال : لو شئت كنت أطيبكم طعاما ،
وألينكم لباسا ، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة . ولما قدم عمر الشام صنع له طعام لم ير قط
مثله قال : هذا لنا ! فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وما شبعوا من خبز الشعير ! فقال خالد
ابن الوليد : لهم الجنة ، فاغرورقت عينا عمر بالدموع وقال : لئن كان حظنا من الدنيا هذا
الحطام ، وذهبوا هم في حظهم بالجنة فلقد باينونا بونا بعيدا . وفي صحيح مسلم وغيره أن عمر
رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مشربته ( 2 ) حين هجر نساءه قال : فالتفت
فلم أر شيئا يرد البصر إلا أهبا ( 3 ) جلودا معطونة قد سطع ريحها ، فقلت : يا رسول الله ، أنت
رسول الله وخيرته ، وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير ؟ قال : فاستوى جالسا وقال :
( أفي شك أنت يا بن الخطاب . أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ) فقلت :
استغفر لي ! فقال : ( اللهم اغفر له ) . وقال حفص بن أبي العاص : كنت أتغدى عند
عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخبز والزيت ، والخبز والخل ، والخبز واللبن ، والخبز والقديد ،
وأقل ذلك اللحم الغريض ( 4 ) . وكان يقول : لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كله ، فجئ بخبز متفلع ( 5 )
غليظ ، فجعل يأكل ويقول : كلوا ، فجعلنا لا نأكل ، فقال : ما لكم لا تأكلون ؟ فقلنا :
والله يا أمير المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا ، فقال : يا بن أبي العاص أما ترى
بأني عالم أن لو أمرت بعناق ( 6 ) سمينة فيلقى عنها شعرها ثم تخرج مصلية ( 7 ) كأنها كذا وكذا ،
هامش
( 1 ) الغمر ( بضم الأول وفتح الثاني ) : القدح الصغير .
( 2 ) المشربة ( بفتح الميم والراء ) : الموضع الذي يشرب منه الناس . ( بضم الراء وفتحها ) : الغرفة .
( 3 ) بضم الهمزة والهاء ، وبفتحهما على غير قياس ، جمع إهاب ، وهو الجلد .
( 4 ) الغريض : الطري .
( 5 ) في نسخة من الأصل : " متقلع " بالقاف . والمتفلع : المشقق .
( 6 ) العناق : الأنثى من ولد
المعز ، والجمع أعنق وعنوق .
( 7 ) الصلاء ( بالكسر ) : الشواء .