قوله تعالى : " ولكل درجات " أي ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين
من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم . قال ابن زيد : درجات أهل النار
في هذه الآية تذهب سفالا ، ودرج أهل الجنة علوا . " وليوفيهم أعمالهم " قرأ ابن كثير
وابن محيصن وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بالياء لذكر الله قبله ، وهو قوله تعالى : " إن وعد
الله حق " واختاره أبو حاتم . الباقون بالنون ردا على قوله تعالى : " ووصينا الانسان
بوالديه " وهو اختيار أبي عبيد . " وهم لا يظلمون " أي لا يزاد على مسئ ولا ينقص
من محسن .
قوله تعالى : ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم
في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما
كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ( 20 )
قوله تعالى : " ويوم يعرض " أي ذكرهم يا محمد يوم يعرض . " الذين كفروا على
النار " أي يكشف الغطاء فيقربون من النار وينظرون إليها . " أذهبتم طيباتكم " أي يقال
لهم أذهبتم ، فالقول مضمر . وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية ويعقوب وابن كثير " أأذهبتم "
بهمزتين مخففتين ، واختاره أبو حاتم . وقرأ أبو حياة وهشام " آذهبتم " بهمزة واحدة مطولة
على الاستفهام . الباقون بهمزة واحدة من غير مد على الخبر ، وكلها لغات فصيحة ومعناها
التوبيخ ، والعرب توبخ بالاستفهام وبغير الاستفهام ، وقد تقدم . واختار أبو عبيد ترك
الاستفهام لأنه قراءة أكثر أئمة السبعة نافع وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي ، مع من
وافقهم شيبة والزهري وابن محيصن والمغيرة بن أبي شهاب ويحيى بن الحارث والأعمش
ويحيى بن وثاب وغيرهم ، فهذه عليها جلة الناس . وترك الاستفهام أحسن ، لان إثباته يوهم
أنهم لم يفعلوا ذلك ، كما تقول : أنا ظلمتك ؟ تريد أنا لم أظلمك . وإثباته حسن أيضا ،
يقول القائل : ذهبت فعلت كذا ، يوبخ ويقول : أذهبت فعلت ! كل ذلك جائز . ومعنى
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 199
مساهمون: القرطبي
ص١٩٩