الثالثة - قال ابن العربي : إن الله تعالى لم يبق من الأسباب الدالة على الغيب
التي أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا ، فإنه أذن فيها ، وأخبر أنها جزء من النبوة
وكذلك الفأل ، وأما الطيرة والزجر فإنه نهى عنهما . والفأل : هو الاستدلال بما يسمع
من الكلام على ما يريد من الامر إذا كان حسنا ، فإن سمع مكروها فهو تطير ، أمره الشرع
بأن يفرح بالفأل ويمضي على أمره مسرورا . وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله ،
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ] .
وقد روى بعض الأدباء :
الفأل والزجر والكهان كلهم * مضللون ودون الغيب أقفال
وهذا كلام صحيح ، إلا في الفأل فإن الشرع استثناه وأمر به ، فلا يقبل من هذا
الشاعر ما نظمه فيه ، فإنه تكلم بجهل ، وصاحب الشرع أصدق وأعلم وأحكم .
قلت : قد مضى في الطيرة والفأل وفي الفرق بينهما ما يكفي في ( المائدة ) ( 1 ) وغيرها .
ومضى في ( الانعام ) ( 2 ) أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب ، وأن أحدا لا يعلم ذلك إلا ما أعلمه
الله ، أو يجعل على ذلك دلالة عادية يعلم بها ما يكون على جري العادة ، وقد يختلف . مثاله إذا
رأى نخلة قد أطلعت فإنه يعلم أنها ستثمر ، وإذا رآها قد تناثر طلعها علم أنها لا تثمر . وقد
يجوز أن يأتي عليها آفة تهلك ثمرها فلا تثمر ، كما أنه جائز أن تكون النخلة التي تناثر طلعها يطلع
الله فيها طلعا ثانيا فتثمر . وكما أنه جائز أيضا ألا يلي شهره شهر ولا يومه يوم إذا أراد الله إفناء
العالم ذلك الوقت . إلى غير ذلك مما تقدم في ( الانعام ) بيانه .
الرابعة - قال ابن خويز منداد : قوله تعالى : " أو أثارة من علم " يريد الخط .
وقد كان مالك رحمه الله يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه . وإذا عرف الحاكم خطه
أو خط من كتب إليه حكم به ، ثم رجع عن ذلك حين ظهر في الناس ما ظهر من الحيل
والتزوير . وقد روي عنه أنه قال : [ يحدث الناس فجورا فتحدث لهم أقضية ] . فأما إذا
شهد الشهود على الخط المحكوم به ، مثل أن يشهدوا أن هذا خط الحاكم وكتابه ، أشهدنا على
هامش
( 1 ) راجع ج 6 ص 59 وما بعدها .
( 2 ) راجع ج 7 ص 2