تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
لهم اغفروا يغفروا ، فهو جواب أمر محذوف دل الكلام عليه ، قاله علي بن عيسى واختاره ابن العربي . ونزلت الآية بسبب أن رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب فهم أن يبطش به . قال ابن العربي : وهذا لم يصح . وذكر الواحدي والقشيري وغيرهما عن ابن عباس أن الآية نزلت في عمر مع عبد الله بن أبي في غزوة بني المصطلق ، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها " المريسيع " فأرسل عبد الله غلامه ليستقي ، وأبطأ عليه فقال : ما حبسك ؟ قال : غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر ، فما ترك أحدا يستقي حتى ملا قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر ، وملا لمولاه . فقال عبد الله : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك . فبلغ عمر رضي الله عنه قوله ، فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله ، فأنزل الله هذه الآية . هذه رواية عطاء عن ابن عباس . وروى عنه ميمون بن مهران قال : لما نزلت " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " ( 1 ) [ البقرة : 245 ] قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص : احتاج رب محمد ! قال : فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه ، فجاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن ربك يقول لك قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) . وأعلم أن عمر قد اشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه ، فلما جاء قال : ( يا عمر ، ضع سيفك ) قال : يا رسول الله ، صدقت . أشهد إنك أرسلت بالحق . قال : ( فإن ربك يقول قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) قال : لا جرم ! والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي . قلت : وما ذكره المهدوي والنحاس فهو رواية الضحاك عن ابن عباس ، وهو قول القرظي والسدي ، وعليه يتوجه النسخ في الآية . وعلى أن الآية نزلت بالمدينة أو في غزوة بني المصطلق فليست بمنسوخة . ومعنى " يغفروا " : يعفوا ويتجاوزوا . ومعنى " لا يرجون أيام الله " : أي لا يرجون ثوابه . وقيل : أي لا يخافون بأس الله ونقمه . وقيل : الرجاء بمعنى الخوف ، كقوله : " ما لكم لا ترجون لله وقارا " ( 2 ) [ نوح : 13 ] أي لا تخافون له عظمة . والمعنى : لا تخشون
هامش
( 1 ) آية 245 سورة البقرة . ( 2 ) آية 13 سورة نوح .