قوله تعالى : ( فأقم وجهك للدين القيم ) قال الزجاج : أي أقم قصدك ، واجعل
جهتك اتباع الدين القيم ، يعني الاسلام . وقيل : المعنى أوضح الحق وبالغ في الاعذار ،
واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم . ( من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ) أي
لا يرده الله عنهم ، فإذا لم يرده لم يتهيأ لاحد دفعه . ويجوز عند غير سيبويه " لا مرد له "
وذلك عند سيبويه بعيد ، إلا أن يكون في الكلام عطف . والمراد يوم القيامة . ( يومئذ
يصدعون ) قال ابن عباس : معناه يتفرقون . وقال الشاعر :
وكنا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا ( 1 )
أي لن يتفرقا ، نظيره قوله تعالى : " يومئذ يتفرقون " [ الروم : 14 ] " فريق في الجنة وفريق في السعير " .
والأصل يتصدعون ، ويقال : تصدع القوم إذا تفرقوا ، ومنه اشتق الصداع ، لأنه يفرق
شعب الرأس .
قوله تعالى : ( من كفر فعليه كفره ) أي جزاء كفره . ( ومن عمل صالحا
فلأنفسهم يمهدون ) أي يوطئون لأنفسهم في الآخرة فراشا ومسكنا وقرارا بالعمل الصالح ،
ومنه : مهد الصبي . والمهاد الفراش ، وقد مهدت الفراش مهدا : بسطته ووطأته . وتمهيد
الأمور : تسويتها وإصلاحها . وتمهيد العذر : بسطه وقبوله . والتمهد : التمكن . وروى
ابن أبي نجيح عن مجاهد " فلأنفسهم يمهدون " قال : في القبر .
قوله تعالى : ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله
إنه لا يحب الكافرين ( 45 )
هامش
( 1 ) البيت لمتمم بن نويرة اليربوعي من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا مطلعها :
لعمري وما دهري بتأبين هالك * ولا جزع مما أصاب فأوجعا
وقوله : ( كندماني جذيمة ) يعنى جذيمة الأبرش وكان ملكا . ونديماه : يقال لهما مالك وعقيل . ويضرب بهما المثل
لطول ما نادماه فقد نادمناه أربعين سنة ما أعادا عليه حديثا .