تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
قوله تعالى : فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شئ قدير ( 50 ) قوله تعالى : ( فانظر إلى أثر رحمة الله ) يعني المطر ، أي انظروا نظر استبصار واستدلال ، أي استدلوا بذلك على أن من قدر عليه قادر على إحياء الموتى . وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي : " آثار " بالجمع . الباقون بالتوحيد ، لأنه مضاف إلى مفرد . والأثر فاعل " يحيي " ويجوز أن يكون الفاعل اسم الله عز وجل . ومن قرأ : " آثار " بالجمع فلان رحمة الله يجوز أن يراد بها الكثرة ، كما قال تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ( 1 ) [ إبراهيم : 34 ] . وقرأ الجحدري وأبو حياة وغيرهما : " كيف تحيي الأرض " بتاء ، ذهب بالتأنيث إلى لفظ الرحمة ، لان أثر الرحمة يقوم مقامها فكأنه هو الرحمة ، أي كيف تحيي الرحمة الأرض أو الآثار . " ويحيي " أي يحيي الله عز وجل أو المطر أو الأثر فيمن قرأ بالياء . و " كيف يحيي الأرض " في موضع نصب على الحال على الحمل على المعنى لان اللفظ لفظ الاستفهام والحال خبر ، والتقدير : فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها . ( إن ذلك لمحيى الموتى وهو على كل شئ قدير ) استدلال بالشاهد على الغائب . قوله تعالى : ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ( 51 ) قوله تعالى : ( ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا ) يعني الريح ، والريح يجوز تذكيره . قال محمد بن يزيد : لا يمتنع تذكير كل مؤنث غير حقيقي ، نحو أعجبني الدار وشبهه . وقيل : فرأوا السحاب . وقال ابن عباس : الزرع ، وهو الأثر ، والمعنى : فرأوا الأثر مصفرا ، واصفرار الزرع بعد اخضراره يدل على يبسه ، وكذا السحاب يدل على أنه لا يمطر ، والريح على أنها لا تلقح ( لظلوا من بعده يكفرون ) أي ليظلن ، وحسن وقوع الماضي في موضع المستقبل لما في الكلام من معنى المجازاة ، والمجازاة لا تكون إلا بالمستقبل ، قاله الخليل وغيره .
هامش
( 1 ) راجع ج 9 ص 376 فما بعد .