تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
إلا بعلمه ) أي جعلكم أزواجا فيتزوج الذكر بالأنثى فيتناسلان بعلم الله ، فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به ، فلا يخرج شئ عن تدبيره . عمره إلا في كتاب ) سماه معمرا بما هو صائر إليه . قال سعيد بن جبير عن أبن عباس : " وما يعمر من معمر " إلا كتب عمره ، كم هو سنة كم هو شهرا كم هو يوما كم هو ساعة ثم يكتب في كتاب آخر : نقص من عمره يوم ، نقص شهر ، نقص سنة ، حتى يستوفي أجله . وقال سعيد بن جبير أيضا ، قال : فما مضى من أجله فهو النقصان ، وما يستقبل فهو الذي يعمره ، فالهاء على هذا للمعمر . وعن سعيد أيضا : يكتب عمره كذا وكذا سنة ثم يكتب في أسفل ذلك : ذهب يوم ، ذهب يومان ، حتى يأتي على آخره . وعن قتادة : المعمر من بلغ ستين سنة ، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة . ويذهب الفراء في معنى " وما يعمر من معمر " أي ما يكون من عمره " ولا ينقص من عمره " بمعنى آخر ، أي ولا ينقص الآخر من عمره إلا في كتاب . فالكناية في " عمره " ترجع إلى آخر غير الأول . وكنى عنه بالهاء كأنه الأول ، ومثله قولك : عندي درهم ونصفه ، أي نصف أخر . وقيل : إن الله كتب عمر الانسان مائة سنة إن أطاع ، وتسعين إن عصى ، فأيهما بلغ فهو في كتاب . وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام : ( من أحب أن يبسط له في زرقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) أي أنه يكتب في اللوح المحفوظ : عمر فلان كذا سنة ، فإن وصل رحمه زيد في عمره كذا سنة . فبين ذلك في موضع آخر من اللوح المحفوظ ، إنه سيصل رحمه فمن أطلع على الأول دون الثاني ظن أنه زيادة أو نقصان وقد مضى هذا المعنى عند قوله تعالى : " يمحوا الله ما يشاء ويثبت " [ الرعد : 39 ] والكناية على هذا ترجع إلى العمر . وقيل : المعنى وما يعمر من معمر أي هرم ، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب ، أي بقضاء من الله جل وعز . روي معناه عن الضحاك واختاره النحاس ، قال : وهو أشبهها بظاهر التنزيل . وروي نحوه عن أبن عباس . فالهاء على هذا يجوز أن تكون للمعمر ، ويجوز أن تكون لغير
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 333 | القرطبي