تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
حتى يقول : يا ليتني قدمت لحياتي . قال أبن السكيت وأبو حاتم : " الغرور " الشيطان . وغرور جمع غر ، وغر مصدر . ويكون " الغرور " مصدرا وهو بعيد عند غير أبي إسحاق ، لان " غررته " متعد ، والمصدر المتعدي إنما هو على فعل ، نحو : ضربته ضربا ، إلا في أشياء يسيرة لا يقاس عليها ، قالوا : لزمته لزوما ، ونهكه المرض نهوكا . فأما معنى الحرف فأحسن ما قيل فيه ما قاله سعيد بن جبير ، قال : الغرور بالله أن يكون الانسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنى على الله المغفرة . وقراءة العامة " الغرور " ( بفتح الغين ) وهو الشيطان ، أي لا يغرنكم بوساوسه في أنه يتجاوز عنكم لفضلكم . وقرأ أبو حياة وأبو المال العدوي ومحمد بن المقع " الغرور " ( برفع الغين ) وهو الباطل ، أي لا يغرنكم الباطل . وقال أبن السكيت : والغرور ( بالضم ) ما اغتر به من متاع الدنيا . قال الزجاج : ويجوز أن يكون الغرور جمع غار ، مثل قاعد وقعود . النحاس : أو جمع غر ، أو يشبه بقولهم : نهكه المرض نهوكا ولزمه لزوما . الزمخشري : أو مصدر " غره " كاللزوم والنهوك . قوله تعالى : ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير * الذين كفروا يهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير . قوله تعالى : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا . أي فعادوه ولا تطيعوه . ويدلكم على عداوته إخراجه أباكم من الجنة ، وضمانه إضلالكم في قول : " ولأضلنهم ولأمنينهم " [ النساء : 119 ] الآية . وقوله : " لأقعدن لهم صراطك المستقيم . ثم لآتينهم من بين أيديهم " [ الأعراف : 16 - 17 ] الآية . فأخبرنا عز وجل أن الشيطان لنا عدو مبين ، واقتص علينا قصته ، وما فعل بأبينا آدم صلى الله عليه وسلم ، وكيف أنتدب لعداوتنا وغرورنا من قبل وجودنا وبعده ، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا . وكان الفضيل بن عياض يقول : يا كذاب