تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
قوله تعالى : ( وقال الذين كفروا ) يريد كفار قريش . ( لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ) قال سعيد عن قتادة : " ولا بالذي بين يديه " من الكتب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وقيل من الآخرة . وقال ابن جريج : قائل ذلك أبو جهل بن هشام . وقيل : إن أهل الكتاب قالوا للمشركين صفة محمد في كتابنا فسلوه ، فلما سألوه فوافق ما قال أهل الكتاب قال المشركون : لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي أنزل قبله من التوراة والإنجيل بل نكفر بالجميع ، وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل الكتاب ويحتجون بقولهم ، فظهر بهذا تناقضهم وقلة علمهم . ثم أخبر الله تبارك وتعالى عن حالهم فيما لهم فقال ( ولو ترى ) يا محمد ( إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ) أي محبوسون في موقف الحساب ، يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب بعد أن كانوا في الدنيا أخلاء متناصرين . وجواب " لو " محذوف ، أي لرأيت أمرا هائلا فظيعا . ثم ذكر أي شئ يرجع من القول بينهم فقال : ( يقول الذين استضعفوا ) في الدنيا من الكافرين ( للذين استكبروا ) وهم القادة والرؤساء ( لولا أنتم لكنا مؤمنين ) أي أغويتمونا وأضللتمونا . واللغة الفصيحة " لولا أنتم " ومن العرب من يقول " لولاكم " حكاها سيبويه ، تكون " لولا " تخفض المضمر ويرتفع المظهر بعدها بالابتداء ويحذف خبره . ومحمد بن يزيد يقول : لا يجوز " لولاكم " لان المضمر عقيب المظهر ، فلما كان المظهر مرفوعا بالاجماع وجب أن يكون المضمر أيضا مرفوعا . ( قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى ) هو استفهام بمعنى الانكار ، أي ما رددناكم نحن عن الهدى ، ولا أكرهناكم . ( بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين ) أي مشركين مصرين على الكفر . ( وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار ) المكر أصله في كلام العرب الاحتيال والخديعة ، وقد مكر به يمكر فهو ماكر ومكار . قال الأخفش : هو على تقدير : هذا مكر الليل والنهار . قال النحاس : والمعنى - والله أعلم - بل مكركم في الليل والنهار ، أي مسارتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر حملنا على هذا . وقال سفيان الثوري : بل عملكم في الليل والنهار . قتادة : بل مكركم بالليل والنهار صدنا ، فأضيف المكر إليهما لوقوعه فيهما ،