تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
قوله تعالى : فأقم وجهك حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( 30 ) قوله تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قال الزجاج : " فطرة " منصوب بمعنى اتبع فطرة الله . قال : لان معنى " فأقم وجهك للدين " اتبع الدين الحنيف واتبع فطرة الله . وقال الطبري : " فطرة الله " مصدر من معنى : " فأقم وجهك " لان معنى ذلك : فطر الله الناس على ذلك فطرة . وقيل : معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناس له ، وعلى هذا القول يكون الوقف على " حنيفا " تاما . وعلى القولين الأولين يكون متصلا ، فلا يوقف على " حنيفا " . وسميت الفطرة دينا لان الناس يخلقون له ، قال عز وجل : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ( 1 ) [ الذاريات : ] . ويقال : " عليها " بمعنى لها ، كقوله تعالى : " وإن أسأتم فلها " ( 2 ) [ الاسراء : ] . والخطاب ب‍ " - أقم وجهك " للنبي صلى الله عليه وسلم ، أمره بإقامة وجهه للدين المستقيم ، كما قال : " فأقم وجهك للدين القيم " ( 3 ) [ الروم : ] وهو دين الاسلام . وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين ، وخص الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الانسان وأشرفه . ودخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل . و " حنيفا " معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة . الثانية - في الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية ) على هذه الملة - أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ( 4 ) هل تحسون فيها من جدعاء ) ثم يقول أبو هريرة : واقرؤوا إن شئتم ، " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " ، في رواية : ( حتى
هامش
( 1 ) راجع ج 17 ص 55 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 217 . ( 3 ) راجع ص 42 من هذا الجزء . ( 4 ) أي سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها .