فيه مسألتان :
الأولى - قوله تعالى : " من أنفسكم " ثم قال : " من شركاء " ، ثم قال : " مما ملكت
أيمانكم " ف " - من " الأولى للابتداء ، كأنه قال : أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شئ منكم
وهي أنفسكم . والثانية للتبعيض ، والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام . والآية نزلت في كفار
قريش ، كانوا يقولون في التلبية : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ،
قاله سعيد بن جبير . وقال قتادة : هذا مثل ضربه الله للمشركين ، والمعنى : هل يرضى أحدكم
أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله ، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء .
الثانية - قال بعض العلماء : هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار
بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه ، وذلك أنه لما قال عز وجل : " ضرب لكم مثلا
من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم " الآية ، فيجب أن يقولوا : ليس عبيدنا شركاءنا
فيما رزقتنا ! فيقال لهم : فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي
شركائي في خلقي ، فهذا حكم فاسد وقلة نظر وعمى قلب ! فإذا بطلت الشركة بين العبيد
وساداتهم فيما يملكه السادة والخلق كلهم عبيد لله تعالى فيبطل أن يكون شئ من العالم شريكا
لله تعالى في شئ من أفعاله ، فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك ، إذ الشركة
تقتضي المعاونة ، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال والعمل ، والقديم الأزلي
منزه عن ذلك عز وجل .
وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه ، لان جميع العبادات البدنية
لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب ، فافهم ذلك .
قوله تعالى : بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدى
من أضل الله وما لهم من ناصرين ( 29 )
قوله تعالى : ( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ) لما قامت عليهم الحجة ذكر
أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها وتقليد الأسلاف في ذلك . ( فمن يهدى من
أضل الله ) أي لا هادي لمن أضله الله تعالى . وفي هذا رد على القدرية . ( وما لهم من ناصرين )
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 23
مساهمون: القرطبي
ص٢٣