تكونوا أنتم تجدعونها ) قالوا : يا رسول الله ، أفرأيت من يموت صغيرا ؟ قال : ( الله أعلم بما
كانوا عاملين ) . لفظ مسلم .
الثالثة - واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال
متعددة ، منها الاسلام ، قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما ، قالوا : وهو المعروف عند
عامة السلف من أهل التأويل ، واحتجوا بالآية وحديث أبي هريرة ، وعضدوا ذلك بحديث
عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما : ( ألا أحدثكم
بما حدثني الله في كتابه ، أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين ، وأعطاهم المال حلالا لا حرام
فيه فجعلوا مما أعطاهم الله حلالا وحراما . . ) الحديث . وبقوله صلى الله عليه وسلم : ( خمس
من الفطرة . . . ) فذكر منها قص الشارب ، وهو من سنن الاسلام ، وعلى هذا التأويل فيكون
معنى الحديث : أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم
حين أخرجهم من صلبه ، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في الجنة ، أولاد مسلمين كانوا
أو أولاد كفار . وقال آخرون : الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها ، أي على ما فطر الله
عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء ، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ .
قالوا : والفطرة في كلام العرب البداءة . والفاطر : المبتدئ ، واحتجوا بما روي عن ابن عباس
أنه قال : لم أكن أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر ،
فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي ابتدأتها . قال المروزي : كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا
القول ثم تركه . قال أبو عمر في كتاب التمهيد له : ما رسمه مالك في موطئه وذكر في باب القدر ( 1 )
فيه من الآثار - يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا ، والله أعلم . ومما احتجوا به ما روي
عن كعب القرظي في قول الله تعالى : " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " ( 2 ) [ الأعراف : ] قال :
من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى ، ومن ابتدأ الله خلقه
على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة ، ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة وعمل
بأعمال السعادة مع الملائكة ، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه ، قال : وكان من الكافرين .
هامش
( 1 ) في ج ، ش : ك : أبواب .
( 2 ) راجع ج 7 ص 188 فما بعد .