تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
عز وجل : " تدمر كل شئ " ( 1 ) [ الأحقاف : ] ولم تدمر السماوات والأرض . وقوله : " فتحنا عليهم أبواب كل شئ " ( 2 ) [ الانعام : ] ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة . وقال إسحاق بن راهويه الحنظلي : تم الكلام عند قوله : " فأقم وجهك للدين حنيفا " ثم قال : " فطرة الله " أي فطر الله الخلق فطرة إما بجنة أو نار ، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( كل مولود يولد على الفطرة ) ولهذا قال : " لا تبديل لخلق الله " قال شيخنا أبو العباس : من قال هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن ، لان الله تعالى قال : " لا تبديل لخلق الله " وأما في الحديث فلا ، لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير . وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر : الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه ، فكأنه قال : كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة ، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته . واحتجوا على أن الفطرة الخلقة ، والفاطر الخالق ، لقول الله عز وجل : " الحمد لله فاطر السماوات ( 3 ) والأرض " [ فاطر : ] يعني خالقهن ، وبقوله : " وما لي لا أعبد الذي فطرني " ( 4 ) [ يس : ] يعني خلقني ، وبقوله : " الذي فطرهن " ( 5 ) [ الأنبياء : ] يعني خلقهن . قالوا : فالفطرة الخلقة ، والفاطر الخالق ، وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار . قالوا : وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ، ثم يعتقدون الكفر والايمان بعد البلوغ إذا ميزوا . واحتجوا بقوله في الحديث : ( كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء - يعني سالمة - هل تحسون فيها من جدعاء ) يعني مقطوعة الأذن . فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها ، فيقال : هذه بحائر وهذه سوائب ( 6 ) . يقول : فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان ، ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة ، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم ، وعصم الله أقلهم . قالوا : ولو كان الأطفال قد فطروا على شئ من الكفر والايمان في أولية أمورهم ما انتقلوا عنه أبدا ، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون . قالوا :
هامش
( 1 ) راجع ج 16 ص 205 . ( 2 ) راجع ج 6 ص 425 . ( 3 ) راجع ج 14 ص 318 فما بعد . ( 4 ) راجع ج 15 ص 17 . ( 5 ) راجع ج 11 ص 296 . ( 6 ) راجع ج 6 ص 335 .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 27 | القرطبي