حذفت الراء الأولى لثقل التضعيف ، وألقيت حركتها على القاف فتقول : قرن . قال الفراء :
هو كنا تقول : أحست صاحبك ، أي هل أحسست . وقال أبو عثمان المازني : قررت به
عينا ( بالكسر لا غير ) ، من قرة العين . ولا يجوز قررت في المكان ( بالكسر ) وإنما هو
قررت ( بفتح الراء ) ، وما أنكره من هذا لا يقدح في القراءة إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه
وسلم ، فيستدل بما ثبت عنه من القراءة على صحة اللغة . وذهب ( 1 ) أبو حاتم أيضا أن " قرن "
لا مذهب له في كلام العرب . قال النحاس : وأما قول أبي حاتم : " لا مذهب له " فقد
خولف فيه ، وفيه مذهبان : أحدهما ما حكاه الكسائي ، والآخر ما سمعت علي بن سليمان
يقول ، قال : وهو من قررت به عينا أقر ، والمعنى : وأقررن به عينا في بيوتكن . وهو وجه
حسن ، إلا أن الحديث يدل على أنه من الأول . كما روي أن عمارا قال لعائشة رضي الله
عنها : إن الله قد أمرك أن تقري في منزلك ، فقالت : يا أبا اليقظان ، ما زلت قوالا بالحق !
فقال : الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك . وقرأ ابن أبي عبلة " وأقررن " بألف وصل
وراءين ، الأولى مكسورة .
الثانية - معنى هذه الآية الامر بلزوم البيت ، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه
وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى . هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء ، كيف والشريعة طافحة
بلزوم النساء بيوتهن ، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة ، على ما تقدم في غير موضع .
فأمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة بيوتهن ، وخاطبهن بذلك تشريفا لهن ،
ونهاهن عن التبرج ، وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى فقال : " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى " .
وقد تقدم معنى التبرج في " النور " ( 2 ) . وحقيقته إظهار ما ستره أحسن ، وهو مأخوذ من السعة ،
يقال : في أسنانه برج إذا كانت متفرقة ، قاله المبرد . واختلف الناس في " الجاهلية الأولى " ،
فقيل : هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام ، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ ،
فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال . وقال الحكم بن عيينة : ما بين آدم ونوح ،
هامش
( 1 ) في ج : وش ، وك : ( زعم ) .
( 2 ) راجع ج 12 ص 309 .