تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
قوله تعالى : ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ) فيه ثلاث مسائل : الأولى : قال العلماء : لما أختار نساء النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم شكرهن الله على ذلك فقال تكرمة لهن : " لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج " ( 1 ) [ الأحزاب : 52 ] الآية . وبين حكمهن عن غيرهن فقال : " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " ( 1 ) [ الأحزاب : 53 ] . وجعل ثواب طاعتهن وعقاب معصيتهن أكثر مما لغيرهن فقال : " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين " فأخبر تعالى أن من جاء من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بفاحشة - والله عاصم رسوله عليه السلام من ذلك كما مر في حديث الإفك ( 2 ) - يضاعف لها العذاب ضعفين ، لشرف منزلتهن وفضل درجتهن ، وتقدمهن على سائر النساء أجمع . وكذلك بينت الشريعة في غير ما موضع حسبما تقدم بيانه غير مرة - أنه كلما تضاعفت الحرمات فهتكت تضاعفت العقوبات ، ولذلك ضوعف حد الحر على العبد والثيب على البكر . وقيل : لما كان أزوج النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط الوحي وفي منزل أوامر الله ونواهيه ، قوي الامر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن ، فضوعف لهن الاجر والعذاب . وقيل ، إنما ذلك لعظم الضرر في جرائمهن بإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت العقوبة على قدر عظم الجريمة في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى : " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة " ( 1 ) [ الأحزاب : 57 ] . واختار هذا القول الكيا الطبري . الثانية - قال قوم : لو قدر الزنى من واحدة منهن - وقد أعاذهن الله من ذلك - لكانت تحد حدين لعظم قدرها ، كما يزاد حد الحرة على الأمة . والعذاب بمعنى الحد ، قال الله تعالى : " وليشهد عذابهما طائفة ( 2 ) من ( 3 ) المؤمنين " [ النور : 2 ] . وعلى هذا فمعنى الضعفين معنى المثلين أو المرتين ، . وقال أبو عبيدة : ضعف الشئ شيئان حتى يكون ثلاثة . وقاله أبو عمرو فيما
هامش
( 1 ) راجع ص 219 وص 228 وص 237 من هذا الجزء . ( 2 ) راجع ج 12 ص 197 فما بعد وص 166 . ( 3 ) راجع ج 12 ص 162 .