تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
متفقهة الأندلس وغيرهم وشددوا النكير فيه ، ونسبوا قائله إلى الكفر ، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية ، وعدم التوقف في تكفير المسلمين ، ولم يتفطنوا ، لان تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح ، لا سيما رمي من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة ، على أن المسألة ليست قطعية ، بل مستندها ظواهر أخبار أحاد صحيحة ، غير أن العقل لا يحيلها . وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها . قلت : وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة ، فيقال له : كانت تكون آية لا تنكر لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أميا لا يكتب ، وبكونه أميا في أمة أمية قامت الحجة ، وأفحم الجاحدون ، وانحسمت الشبهة ، فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب وتكون آية . وإنما الآية ألا يكتب ، والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا . وإنما معنى كتب وأخذ القلم ، أي أمر من يكتب به من كتابه ، وكان من كتبة الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون كاتبا . الثالثة - ذكر القاضي عياض عن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : " ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم " قال القاضي : وهذا وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ، ويمنع القراءة والكتابة . قلت : هذا هو الصحيح في الباب أنه ما كتب ولا حرفا واحدا ، وإنما أمر من يكتب ، وكذلك ما قرأ ولا تهجى . فإن قيل : فقد تهجى النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الدجال فقال : " مكتوب بين عينيه ك ا ف ر " وقلتم إن المعجزة قائمة في كونه أميا ، قال الله تعالى : " وما كنت تتلو من قبله من كتاب " الآية وقال : " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " فكيف هذا ؟ فالجواب ما نص عليه صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة ، والحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضا . ففي حديث حذيفة " يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب " فقد نص في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميا . وهذا من أوضح ما يكون جليا .