متفقهة الأندلس وغيرهم وشددوا النكير فيه ، ونسبوا قائله إلى الكفر ، وذلك دليل على عدم
العلوم النظرية ، وعدم التوقف في تكفير المسلمين ، ولم يتفطنوا ، لان تكفير المسلم كقتله
على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح ، لا سيما رمي من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل
والإمامة ، على أن المسألة ليست قطعية ، بل مستندها ظواهر أخبار أحاد صحيحة ، غير أن
العقل لا يحيلها . وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها .
قلت : وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة ، فيقال له : كانت تكون آية لا تنكر
لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أميا لا يكتب ، وبكونه أميا في أمة أمية قامت
الحجة ، وأفحم الجاحدون ، وانحسمت الشبهة ، فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب وتكون
آية . وإنما الآية ألا يكتب ، والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا . وإنما معنى كتب
وأخذ القلم ، أي أمر من يكتب به من كتابه ، وكان من كتبة الوحي بين يديه صلى الله عليه
وسلم ستة وعشرون كاتبا .
الثالثة - ذكر القاضي عياض عن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النبي صلى الله
عليه وسلم فقال له : " ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن
الله ومد الرحمن وجود الرحيم " قال القاضي : وهذا وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه
وسلم كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ، ويمنع القراءة والكتابة .
قلت : هذا هو الصحيح في الباب أنه ما كتب ولا حرفا واحدا ، وإنما أمر من يكتب ،
وكذلك ما قرأ ولا تهجى . فإن قيل : فقد تهجى النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الدجال
فقال : " مكتوب بين عينيه ك ا ف ر " وقلتم إن المعجزة قائمة في كونه أميا ، قال الله تعالى :
" وما كنت تتلو من قبله من كتاب " الآية وقال : " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب "
فكيف هذا ؟ فالجواب ما نص عليه صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة ، والحديث كالقرآن
يفسر بعضه بعضا . ففي حديث حذيفة " يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب " فقد نص
في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميا . وهذا من أوضح ما يكون جليا .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 353
مساهمون: القرطبي
ص٣٥٣