فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألم أقل لكم " .
وفي الآية تأويل ثالث ، وهو الذي ارتضاه المحققون وقال به المشيخة الصوفية وذكره المفسرون ،
فقيل المراد ب " أقم الصلاة " إدامتها والقيام بحدودها ، ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى
صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر ، وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة .
والصلاة تشغل كل بدن المصلي ، فإذا دخل المصلي في محرابه وخشع وأخبت لربه وادكر أنه
واقف بين يديه ، وأنه مطلع عليه ويراه ، صلحت لذلك نفسه وتذللت ، وخامرها ارتقاب
الله تعالى ، وظهرت على جوارحه هيبتها ، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع
بها إلى أفضل حالة . فهذا معنى هذه الأخبار ، لان صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون .
قلت : لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله ، وهذا أبلغ في المقصود
وأتم في المراد ، فإن الموت ليس له سن محدود ، ولا زمن مخصوص ، ولا مرض معلوم ،
وهذا مما لا خلاف فيه . وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد وأصفر
لونه ، فكلم في ذلك فقال : إني واقف بين يدي الله تعالى ، وحق لي هذا مع ملوك الدنيا
فكيف مع ملك الملوك . فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر ، ومن كانت صلاته
دائرة حول الاجزاء ، لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل ، كصلاتنا - وليتها تجزي - فتلك
تترك صاحبها من منزلته حيث كان ، فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تعالى تركته
الصلاة يتمادى على بعده . وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس
والحسن والأعمش قولهم : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا "
وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك غير صحيح السند . قال ابن
عطية سمعت أبي رضي الله عنه يقول : فإذا قررنا ونظر معناه فغير جائز أن يقول إن نفس
صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها معصية ، وإنما يتخرج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه
من الله ، بل تتركه على حاله ومعاصيه ، من الفحشاء والمنكر والبعد ، فلم تزده الصلاة إلا تقرير
ذلك البعد الذي كان سبيله ، فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن الله . وقيل لابن مسعود :
إن فلانا كثير الصلاة فقال : إنها لا تنفع إلا من أطاعها .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 348
مساهمون: القرطبي
ص٣٤٨