وقد تقدمت هذه المعاني في قوله : " وإن منكم إلا واردها " . ومدين لا تنصرف إذ هي
بلدة معروفة قال الشاعر ( 1 ) :
رهبان مدين لو رأوك تنزلوا * والعصم من شعف الجبال الفادر
وقيل : قبيلة من ولد مدين بن إبراهيم ، وقد مضى القول فيه في " الأعراف " ( 2 ) . والأمة :
الجمع الكثير و " يسقون " معناه ماشيتهم . و ( من دونهم ) معناه ناحية إلى الجهة التي جاء
منها ، فوصل إلى المرأتين قبل وصول إلى الأمة ، ووجدهما تذودان ومعناه تمنعان وتحبسان ،
ومنه قول عليه السلام : " فليذادن ( 3 ) رجال عن حوضي " وفي بعض المصاحف : " امرأتين
حابستين تذودان " يقال : ذاد يذود إذا [ حبس ] ( 4 ) . وذدت الشئ حبسته ، قال الشاعر ( 5 ) :
أبيت على باب القوافي كأنما * أذود بها سربا من الوحش نزعا
أي أحبس وأمنع وقيل : " تذودان " تطردان ، قال ( 6 ) :
لقد سلبت عصاك بنو تميم * فما تدري بأي عصا تذود
أي تطرد وتكف وتمنع ابن سلام : تمنعان غنمهما لئلا تختلط بغنم الناس ، فحذف المفعول ،
إما إيهاما على المخاطب ، وإما استغناء بعلمه . قال ابن عباس : تذودان غنمهما عن الماء
خوفا من السقاة الأقوياء . قتادة : تذودان الناس عن غنمهما ، قال النحاس : والأول
أولى ، لان بعده " قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء " ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناس
لم تخبرا عن سبب تأخير سقيهما حتى يصدر الرعاء . فلما رأى موسى عليه السلام ذلك منهما
" قال ما خطبكما " أي شأنكما ، قال رؤية :
* يا عجبا ما خطبه وخطبي *
هامش
( 1 ) هو جرير . والعصم ( جمع الأعصم ) : وهو من الظباء الذي في ذراعه بياض ، وقيل : في ذراعيه ، والفادر :
المسن منها . وقيل : العظيم . ويروى : " من شعف العقول " . وقبله :
يا أم طلحة ما لقينا مثلكم * في المنجدين ولا بغور الغائر
( 2 ) راجع ج 7 ص 247 طبعة أولى أو ثانية .
( 3 ) قليذادن ، أي ليطردن . ويروى : " فلا تذادن "
أي لا تفعلوا فعلا يوجب طردكم عنه ، قال أين الأثير : والأول أشبهه .
( 4 ) في الأصل : " إذا ذهب "
وهو تحريف .
( 5 ) هو سويد بن كراع يذكر تنقيحه شعره .
( 6 ) هو جرير يهجو الفرزدق .