تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
وتكون الجبال كالعهن " . والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تنقطع بعد أن كانت كالعهن . والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها لتبرز ، فإذا نسفت فبإرسال الرياح عليها . والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها على وجه الأرض فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار ، فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجسادا جامدة ، وهي بالحقيقة مارة إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة . والحالة السادسة أن تكون سرابا فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها كالسراب قال مقاتل : تقع على الأرض فتسوى بها . ثم قيل هذا مثل . قال الماوردي : وفيما ضرب له ثلاثة أقوال : أحدها أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا يظن الناظر إليها أنها واقفة كالجبال ، وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب ، قاله سهل بن عبد الله . الثاني : أنه مثل ضربه الله للايمان تحسبه ثابتا في القلب وعمله صاعد إلى السماء . الثالث : أنه مثل ضربه الله للنفس عند خروج الروح والروح تسير إلى العرش . ( صنع الله الذي أتقن كل شئ ) أي هذا من فعل الله ، و [ ما ] هو فعل منه فهو متقن . و " ترى " من رؤية العين ولو كانت من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين . والأصل ترأى فألقيت حركة الهمزة على الراء فتحركت الراء وحذفت الهمزة ، وهذا سبيل تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن ، إلا أن التخفيف لازم لترى . وأهل الكوفة يقرءون : " تحسبها " بفتح السين وهو القياس ، لأنه من حسب يحسب إلا أنه قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافها أنه قرأ بالكسر في المستقبل ، فتكون على فعل يفعل مثل نعم ينعم وبئس يبئس وحكى يئس ييئس من السالم ، لا يعرف في كلام العرب غير هذه الأحرف " وهي تمر مر السحاب " تقديره مرا مثل مر السحاب ، فأقيمت الصفة مقام الموصوف والمضاف مقام المضاف إليه ، فالجبال تزال من أماكنها من على وجه الأرض وتجمع وتسير كما تسير السحاب ، ثم تكسر فتعود إلى الأرض كما قال : " وبست الجبال بسا " . ( صنع الله ) عند الخليل وسيبويه منصوب على أنه مصدر ، لأنه لما قال عز وجل : " وهي تمر مر السحاب " دل على أنه قد صنع ذلك صنعا ويجوز النصب على الاغراء ، أي انظروا صنع الله . فيوقف
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 243 | القرطبي