تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
لاشتغالهم بدفن أبكارهم في تلك الليلة ، لان الوباء في تلك الليلة وقع فيهم ، فقوله : " مشرقين " حال لقوم فرعون . الثاني - إن سحابة أظلتهم وظلمة فقالوا : نحن بعد في الليل فما تقشعت عنهم حتى أصبحوا . وقال أبو عبيدة : معنى " فأتبعوهم مشرقين " ناحية المشرق . وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون : " فاتبعوهم مشرقين " بالتشديد وألف الوصل ، أي نحو المشرق ، مأخوذ من قولهم : شرق وغرب إذا سار نحو المشرق والمغرب . ومعنى الكلام قدرنا أن يرثها بنو إسرائيل فاتبع قوم فرعون بني إسرائيل مشرقين فهلكوا ، وورث بنو إسرائيل بلادهم . قوله تعالى : ( فلما تراءى الجمعان ) أي تقابلا ( 1 ) الجمعان بحيث يرى كل فريق صاحبه ، وهو تفاعل من الرؤية . ( قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) أي قرب منا العدو ولا طاقة لنا به . وقراءة الجماعة : " لمدركون " بالتخفيف من أدرك . ومنه " حتى إذا أدركه الغرق " . وقرأ عبيد بن عمير والأعرج والزهري " لمدركون " بتشديد الدال ( 2 ) من أدرك . قال الفراء : حفر واحتقر بمعنى واحد ، وكذلك " لمدركون " و " لمدركون " بمعنى واحد . النحاس : وليس كذلك يقول النحويون الحذاق ، إنما يقولون : مدركون ملحقون ، ومدركون مجتهد في لحاقهم ، كما يقال : كسبت بمعنى أصبت وظفرت ، واكتسبت بمعنى اجتهدت وطلبت وهذا معنى قول سيبويه . قوله تعالى : ( قال كلا إن معي ربى سيهدين ) لما لحق فرعون بجمعه جمع موسى وقرب منهم ، ورأت بنو إسرائيل العدو القوى والبحر أمامهم ساءت ظنونهم ، وقالوا لموسى على جهة التوبيخ والجفاء : " إنا لمدركون " فرد عليهم قولهم وزجرهم وذكرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر " كلا " أي لم يدركوكم " إن معي ربى " أي بالنصر على العدو . " سيهدين " أي سيدلني على طريق النجاة ، فلما عظم البلاء على بني إسرائيل ، ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم بها ، أمر الله تعالى موسى أن يضرب البحر بعصاه ، وذلك أنه
هامش
( 1 ) كذا في نسخ الأصل . ( 2 ) وكسر الراء - كما في البحر وروح المعاني والكشاف - على وزن ، مفتعلون وهو لازم بمعنى الفناء والاضمحلال ، من أدرك الشئ إذا تتابع ففنى .