اعرف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال ،
انهم والله ما رفعوا المصاحف ليعملوا بها وانما رفعوها خديعة ودهاء ومكيدة .
فأجاب ( ع ) إلى التحكيم دفعا للشر القوي بالشر الضعيف ، وتلافيا للضرر
الأعظم بتحمل الضرر الأيسر ، وأراد ان يحكم من جهته عبد الله بن العباس
رحمة الله عليه فأبوا عليه ولجوا كما لجوا في أصل التحكيم ، وقالوا لابد من
يماني مع مضري . فقال ( ع ) فضموا الأشتر وهو يماني إلى عمرو ، فقال
الأشعث بن قيس : الأشتر هو الذي طرحنا فيما نحن فيه . واختاروا أبا موسى
مقترحين له ( ع ) ملزمين له تحكيمه ، فحكمهما بشرط ان يحكما بكتاب الله
تعالى ولا يتجاوزاه ، وانهما متى تعدياه فلا حكم لهما .
هذا غاية التحرز ونهاية التيقظ ، لأنا نعلم أنهما لو حكما بما في الكتاب
لاصابا الحق . وعلمنا ان أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام أولى بالامر ،
وانه لاحظ لمعاوية وذويه في شئ منه . ولما عدلا إلى طلب الدنيا ومكر
أحدهما بصاحبه ونبذا الكتاب وحكمه وراء ظهورهما ، خرجا من التحكيم
وبطل قولهما وحكمهما ، وهذا بعينه موجود في كلام أمير المؤمنين عليه
السلام لما ناظر الخوارج واحتجوا عليه في التحكيم . وكل ما ذكرناه في هذا
الفصل من ذكر الاعذار في التحكيم والوجوه المحسنة له مأخوذة من كلامه
عليه السلام .
وقد روي ذلك عنه عليه السلام مفصلا مشروحا .
فأما تحكيمهما مع علمه بفسقهما فلا سؤال فيه ، إذ كنا قد بينا ان
الاكراه وقع على أصل الاختيار وفرعه ، وأنه عليه السلام ألجئ إليه جملة ثم
إلى تفصيله ، ولو خلى عليه السلام واختياره ما أجاب إلى التحكيم أصلا ،
ولا رفع السيوف عن أعناق القوم . لكنه أجاب إليه ملجأ كما أجاب إلى ما
اختاروه بعينه كذلك . وقد صرح ( ع ) بذلك في كلامه حيث يقول : لقد
أمسيت أميرا وأصبحت مأمورا ، وكنت أمس ناهيا وأصبحت اليوم منهيا .
تنزيه الأنبياء ( ع ) — صفحة 197
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٩٧