فيما صدرنا به هذا الكتاب من الكلام في تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن
المعاصي .
فنقول : إن أمير المؤمنين عليه السلام ما حكم مختارا ، بل أحوج إلى
التحكيم وألجئ إليه لان أصحابه ( ع ) كانوا من التخاذل والتقاعد والتواكل
إلا القليل منهم على ما هو معروف مشهور ، ولما طالت الحرب وكثر القتل
وجل الخطب ملوا ذلك وطلبوا مخرجا من مقارعة السيوف ، واتفق من رفع
أهل الشام المصاحف والتماسهم الرجوع إليها واظهارهم الرضا بما فيها ما
اتفق ، بالحيلة التي نصبها عدو الله عمرو بن العاص ، والمكيدة التي كادبها
لما أحس بالبوار وعلو كلمة أهل الحق ، وأن معاوية وجنده مأخوذون قد
علتهم السيوف ودنت منهم الحتوف ، فعند ذلك وجد هؤلاء الأغنام طريقا إلى
الفرار وسبيلا إلى وقوف أمر المناجزة . ولعل فيهم من دخلت عليه الشبهة
لبعده عن الحق وغلط فهمه ، وظن أن الذي دعى إليه أهل الشام من التحكيم
وكف الحرب على سبيل البحث عن الحق الاستسلام للحجة لا على وجه
المكيدة والخديعة ، فطالبوه عليه السلام بكف الحرب والرضا بما بذله القوم
فامتنع ( ع ) من ذلك امتناع عالم بالمكيدة ظاهر على الحيلة ، وصرح لهم بأن ذلك
مكر وخداع ، فأبوا ولجوا فأشفق ( ع ) في الامتناع عليهم والخلاف لهم وهم
جم عسكره وجمهور أصحابه من فتنة صماء هي أقرب إليه من حرب عدوه ،
ولم يأمن ان يعتدى ما بينه وبينهم إلى أن يسلموه إلى عدوه أو يسفكوا دمه ،
فأجاب إلى التحكيم على مضض . ورد من كان قد اخذ بخناق معاوية وقارب
تناوله وأشرف على التمكن منه ، حتى أنهم قالوا للأشتر رحمه الله تعالى وقد
امتنع من أن يكف عن القتال وقد أحس بالظفر وأيقن بالنصر ، أتحب انك
ظفرت ها هنا وأمير المؤمنين عليه السلام بمكانه قد سلم إلى عدوه وتفرق
أصحابه عنه . وقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام عند رفعهم المصاحف
اتقوا الله وامضوا على حقكم ، فإن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وانا
تنزيه الأنبياء ( ع ) — صفحة 196
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٩٦