وفيه وجه آخر : وهو أنه تعالى . أراد بهذا القول تعريف عيسى عليه
السلام أن قوما قد اعتقدوا فيه وفي أمه أنهما إلهان ، لأنه ممكن أن يكون
عيسى ( ع ) لم يعرف ذلك إلا في تلك الحال . ونظيره في التعارف أن يرسل
الرجل رسولا إلى قوم فيبلغ الرسول رسالته ويفارق القوم فيخالفونه بعده
ويبدلون ما أتى به وهو لا يعلم ، ويعلم المرسل له ذلك ، فإذا أحب أن يعلمه
مخالفة القوم له جاز أن يقول له أأنت أمرتهم بكذا وكذا على سبيل الإخبار له
بما صنعوا .
بيان معنى النفس في اللغة :
فأما قوله ( ع ) : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ، فإن لفظة
النفس تنقسم في اللغة إلى معان مختلفة .
فالنفس نفس الانسان أو غيره من الحيوان ، وهي التي إذا فقدها خرج
عن كونه حياء . ومنه قوله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت ) ( 1 ) والنفس
أيضا ذات الشئ الذي يخبر عنه كقولهم : فعل ذلك فلان نفسه ، إذا تولى
فعله . وأعطى كذا وكذا بنفسه . والنفس أيضا الآنفة ، كقولهم : ليس لفلان
نفس ، أي لا أنفة له . والنفس أيضا الإرادة ، يقولون نفس فلان في كذا
وكذا أي إرادته .
قال الشاعر :
فنفسان نفس قالت ائت ابن بجدل * تجد فرجا من كل غم تهابها
ونفس تقول اجهد بحال ولا تكن * كخاضبة لم يغن شيئا خضابها
ومنه أن رجلا قال للحسن : يا أبا سعيد لم أحجج قط إلا ولي نفسان ،
هامش
( 1 ) آل عمران 185 والأنبياء 35 والعنكبوت 57